. المدخل لسفر المزامير.


 المراجع :

-         الكتاب المقدس

-         تأملات قداسة البابا شنودة الثالث .

-         تأملات فى المزامير [ للقمص / بيشوى كامل ]

-          تفسير وتأملات الآباء الأولين [ للقمص / تادرس يعقوب ملطى ]

_______________________________

المزامير :

هى سفر  الصلاة الذى ألهم به الروح القدس داود النبى وغيره ، من المرنمين .. ومعلمنا بولس الرسول عندما يتحدث عن الصلاة يقول :

" لسنا نعلم ما نصلى لأجله كما ينبغى ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها . ولكن الذى يفحص القلوب يعلم ما هو اهتمام الروح " رو 8 : 26 – 28 .

+ لذلك أحيانا ما نصلى وربما تكون صلاتنا ليست بحسب مشيئة الله .

+ وأحيانا نطلب من الله أمورا تضرنا – فى الوقت الذى فيه علمنا الرب يسوع ألا نطلبها .... " لا تهتموا بالغد " ... " اطلبوا ملكوت الله وبره " ....

+ وأحيانا لا نريد أن نطلب من الله أن ينقى حياتنا بالتجارب ، عندئذ تذكرنا المزامير بصلاة داود " ابلنى يارب وجربنى ونق كليتى " ...

+ وأحيانا ننسى الصلاة الدائمة فنجد داود النبى يرتل :" أبارك الرب فى كل وقت وفى كل حين تسبحته فى فمى " " محبوب هو اسمك يارب ، فهو طول النهار تلاوتى " .

وأمثلة أخرى كثيرة تؤكد لنا أن الذين يهملون صلاة المزامير بتأمل يضيعون على أنفسهم فرصة الصلاة بحسب مشيئة الله .

ويقول القديس أثناسيوس الرسولى : [ إنه باستثناء مزامير النبوات عن المخلص والأمم يمكن للقلرىء أن يتناول كلماتها لشفتيه على أنها كلماته ويترنم كل إنسان بها على أنها كتبت لفائدته الخاصة ... فهى مرآة تكشف كل أعماله ، وسيجد الإنسان نفسه – قديسا كان أو خاطئا – سيجد أنه يصف نفسه .

ويكمل القديس قائلا : فسنجد فى المزامير لا مجرد انعكاس حالة نفوسنا مع الوصية ، بل أيضا صياغة الكلمات الموافقة التى بها نسبح الرب فى كل مناسبات حياتنا.

+ فعندما نشكر الرب تعلمنا الكنيسة أن نقول المزمور 135 ( الهوس الثانى ) – اشكروا الرب لأنه صالح وخير . لأن رحمته كائنة إلى الأبد ،

 كذلك المزمور 103 الذى يقول : " باركى يا نفسى الرب ولا تنسى كل حسناته ... " .

+ وعندما نخطىء ونريد التوبة فأمامنا المزمور 6 ، 32 ، 38 ، 50 ، 60 ...

+ وعندما يضطهدنا الآخرون فأمامنا المزمور 27 ، 91 .

+ وإذا رأيت الغير مجدفا على حكمة الله ... فتشفع من أجلهم بالمزمور 14 ، 35 .

+ وإن أردت أن تتعلم كيف تقف فى حضرة الله فقل المزمور 15

+ وإذا أردت أن تتعلم كيف كان موسى يصلى فاقرأ المزمور 90

+ وستجد المزمور 65 كافيا كلما اشتهيت أن تسبح الله .

+ وعندما تجد الأبرار فى ضيق والأشرار فى رخاء وسلام فلا تعثر أو تضطرب بل رنم المزمور 73 .

+ وعندما يغضب الله على شعبه رتل مزمور 74 .

+ وإذا أردت أن تشهد لله فأمامك المزامير 9 ، 71 ، 75 ، 92 ، ومن 105 إلى 108 ، 111 ، 118 ، 126 ، 138 .

+ وإذا أردت إجابة على الملحدين فرتل مزمور 76 لتعرفهم أن المعرفة هى فى الكنيسة فقط

+ وإذا اشتقت إلى البيت السماوى فرتل مز 84 .

+ وإذا أردت الترنم مع خدام الرب فرتل مزمور 81 ، 95 .

+ وإذا أردت أن تشجع نفسك مع الآخرين على خوف الله فقل مزمور 91 .

+ وليوم الرب ( الأحد ) رنم مز 24 ، وليوم الأثنين ( بداءة الأسبوع ) مز 95 أما يوم الجمعة ( يوم لبوت المسيح ) فرتل مز 93 .

+ وعندما تنتصر وترى الله ملك على قلبك فقل المزمور 97 .

+ وعندما تريد اختبار النمو الروحى فرنم ترانيم المصاعد من 120 – 134 .

+ والإنسان يمتحن بالتجربة ، فاشكر الله عندما تعبرها وقل مز 139 .

+ وعندما تريد النجاة من التجربة الشريرة فقل المزمور 140 .

+ وإن أردت أن تتأمل فى آلام الرب وصليبه فستجد مز 22 ، 69 . والمزموران 3 ، 109 فيتحدثان عن مكر اليهود ومكائد الأسخريوطى . أما مز 21 ، 50 ، 72 فتتحدث عن مجىء الرب الثانى بالجسد وعن دعوة الأمم ، والمزمور 16 يتحدث عن القيامة ، 24 ، 47 عن الصعود للسماء . ] .

هذا هو ملخص مختصر لما كتبه القديس أثناسيوس الرسولى الذى يكمل قائلا : تلك هى إذن طبيعة سفر المزامير وأوجه استعماله فبعضها يستخدم لتقويم النفوس البشرية وكثير منها يتنبأ عن مجىء مخلصنا يسوع المسيح بصورة بشرية .

+ وكنيستنا المقدسة – عبر عشرين قرنا – ترتل المزامير وتصليها فى سبع صلوات يومية – وهذه الصلوات هى التى ترعرع عليها الآباء القديسون والنساك والشهداء ...

+ وإذا كنا فى عصرنا الحاضر نجد بعض الملل فى الصلاة بالمزامير فهذا يكشف لنا عن حقيقة حياتنا التى انغمست فى العالم وبعدت عن روح الصلاة بل أنها تسير فى اتجاه مضاد .

فمثلا نقف لنصلى مزمورا عن حياة الشكر ونحن فى غاية التذمر أو نردد مزمورا عن الفرح بالتوبة والرجوع لله ونحن فى ذات الوقت منغمسين بالخطية نتلذذ بها ....الخ .

+ + +

كلمة " مزمور " هى ببساطة ترجمة للكلمة اليونانية " psalmoi " ، وهى بدورها ترجمة للكلمة العبرية " mizmor " . والكلمة فى صيغة المفرد كانت تعنى أساسا صوت الأصابع وهى تضرب على آلة موسيقية وترية ، صارت فيما بعد تعنى صوت القيثارة ، وأخيرا استخدمت لتعنى غناء نشيد على القيثارة

الأسم العبرى لهذا الكتاب هو " سفر تهليم " أى " كتاب التهليلات أو التسابيح " .

مفتاح السفر :

الكلمات التى تعتبر مفتاحا للسفر هى : " ثقة ، تسبيح ، فرح ، رحمة " ، لأنها تتكرر مئات المرات فى هذا السفر .

فى سفر المزامير نتعرف على الله ، ونكون فى التصاق به .

فى العهد القديم رفع الشعب صوته بالهتاف والتسبيح ، ودخلوا فى حوار مع الله .

أما بالنسبة للكنيسة المسيحية فهى فى حقيقتها جماعة تسبيح وترتيل ، ولدت كما فى أنشودة مفرحة . فكلمة إنجيل تعنى " بشارة مفرحة "

فى السيد المسيح نكتشف الكنيسة بكونها أيقونة السماء وملكوت الله المملوء فرحا . يريد الله لشعبه أن يمارس حياة الفرح فيه ، كعلامة التمتع بالحياة الداخلية المقامة فى المسيح وكعربون الشركة فى السمويات عينها .

وجد المسيحيون واليهود على السواء – عبر القرون – فى كلمات المزامير القوة الروحية ولغة التسبيح فى آلامهم كما فى انتصاراتهم .

فى الكنيسة الأولى كانت مزامير العهد القديم تتلى بنظرة مسيحية بكونها تصويرا مسبقا ونبوات عن السيد المسيح ، كما قامت الصلوات الأولى التى رفعتها الكنيسة الأولى فى سفر الأعمال على المزامير ( أع 4 : 24 – 30 ) .

يسجل الكتاب المقدس الكثير من التسابيح والأناشيد أو المزامير التى تغنى بها شعب الله أو ترنم بها أشخاص ، من أمثلة ذلك :

تسبحة لامك ( تك 4 : 23 – 24 ) ، تسبحة مريم أو موسى النبى ( خر 15 ) ، تسبحة البئر ( عد 21 : 17 – 18 ) ، تسبحة دبورة ( قض 5 ) ، تسبحة حنة ( 1 صم 2 ) تسبحة يونان ( يونان 2 ) ، تسبحة حزقيال ( إش 38 : 10 – 20 ) ، تسابيح إشعياء ( 25 : 1 – 12 ، 26 : 1 – 20 ) ، تسبحة الثلاثة فتية ( دا ) ، مزمور زكريا ( لو 1 : 68 – 79 ) .

المجدلة للقديسة مريم العذراء ( لو 1 : 55 ) ، البركة لزكريا ( لو 2 : 67 – 79 ) ، المجدلة العلوية للملائكة ( لو 2 : 13 ، 14 ) ، تسبحة الإنطلاق لسمعان الشيخ ( لو 3 : 28 – 32 ) ، تسابيح القديس بولس ( أف 5 : 14 ؛ 1 تى 3 : 16 ؛ فى 2 : 6 – 11 ؛ كو 1 : 15 – 20 ، عب 1 : 3 ) ، تسابيح القديس بطرس ( 1 بط 1 : 18 – 21 ، 2 : 21 – 25 ، 3 : 18 – 21 ) ، تسبحة الأربعة مخلوقات الحية ( رؤ 4 : 8 ) ، تسبحة الأربعة وعشرين قسيسا ( رؤ 4 : 11 ) ، الترنيمة الجديدة ( رؤ 5 : 9 ، 10 ) الخ ..... بجانب هذه التسابيح وغيرها الواردة فى الكتاب المقدس يوجد سفران مخصصان للتسابيح ، هما المزامير ونشيد الأناشيد .

 

من أقوال القديسين :

+ التسبيح بالمزامير دواء لشفاء النفس .

+ أى كائن له القوى الخمس يلحق به الخزى إن لم يبدأ نهاره بمزمور ، فإنه حتى أصغر الطيور تبدأ يومها وتنهيه بتراتيل عذبة فى عبارة مقدسة !

+ معظم الناس لا يعرفون شيئا عن الأسفار الأخرى ، أما المزامير فيكررون تلاوتها فى المنازل والشوارع والأسواق ، هؤلاء الذين يحفظونها عن ظهر قلب ، ويشعرون بالقوة المريحة التى تكمن فى تسابيحها المقدسة .

+ المزامير هى قصائد شعرنا ، أغانى حبنا ، هى مرعانا وتدبيرنا .

+ ليكن تسبيح المزامير مستمرا ، فإننا إذ نذكر اسم الله تهرب الشياطين .

 

واضعو السفر :

معظم المزامير أوحى بها إلى داود النبى : الراعى والجندى ، والملك ، فقد كان يلعب بالقيثارة .. دعى " مرنم إسرائيل الحلو " 2 صم 23 : 1 ، كانت له موهبة فائقة فى وضع الشعر ، وكان عاشقا للصلوات الجماعية ، نظم داود خدمة التسبيح فى المقدس ( الخيمة المقدسة ) [ 1 أى 6 : 31 ، 16 : 7 ، 25 : 1 .. ] .

نسب 24 مزمورا إلى آساف ربما كان " آساف " لقبا لقادة الموسيقيين أو لمنظمى الخورس فى أيام داود وسليمان ( 1 أى 16 : 4 ) ، وإلى أبناء قورح ( وهى عائلة من حارسى الأبواب الرسميين ومن الموسيقيين ، ربما كانوا تلاميذ قورح وليس بالضرورة من عائلته ) ، وإلى هيمان وإيثان .

هذه المزامير الأربعة وعشرون تصنف معا كمجموعة واحدة بطريقة لائقة لأن واضعيها قد ارتبطوا معا فى خدمة التسبيح التى أسسها داود .

ربما كتب موسى المزمورين 90 ، 100 ، وربما كتب سليمان أيضا مزمورا أو إثنين .

أما بقية المزامير فهى مجهولة المؤلف ، وتسمى بالمزامير " اليتيمة " . يعتقد أن داود النبى كتب بعضها .

 

لماذا ينسب سفر المزامير إلى داود ؟

بالرغم من أن 73 مزمورا فقط من 150 مزمورا ( + المزمور 151 فى الترجمة السبعينية ) هى التى تنس صراحة إلى داود ، لكن اتجهت النظرة العامة إلى اعتبار داود هو واضع كل المزامير ، لماذا ؟

1 – اقتناع الجماعة بأن داود هو المسيح الممسوح ، والملك المثالى الذى به يعرف الشعر عندما يتقدمون للعبادة أمام الله ، ونموذج للملك الآتى الذى يحقق رجاء إسرائيل ، وذلك كما ورد فى أخبار الأيام الأول والثانى .

2 – فى أثناء حكم داود أصبحت أورشليم مركزا لعبادة الأمة الجديدة ، وبجانب الذبائح الدموية قدموا التسبيح بالمزامير كتقدمة محرقات روحية .

خصائص السفر

1 – هذا السفر هو سفر التسبيح لشعب الله ، وضعت بعض المزامير لأستخدامها الليتورجى فى الهيكل ، وبعضها من أجل الحياة الخاصة الشخصية وإن كانت الأخيرة تستخدم أيضا فى العبادة الجماعية .

2 – سفر المزامير هو كتاب لكل من هم فى عوز : للمريض والمتألم ، للفقير والمحتاج ، للسجين والمسبى ، لمن هو فى شدة أو تحت اضطهاد .

3 – تحوى موضوعات نبوية عظيمة ، اقتبس منها العهد الجديد ، بل وربنا نفسه يقول : " لكى يتم ما هو مكتوب عنى فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير " لو 24 : 44 .

تجد معظم المزامير كمال تعبيرها ومعناها فى حياة السيد المسيح وعلى شفتيه .

4 – يبدو أن الآلات الموسيقية كانت تستخدم فى العهد القديم ، لكن كنيسة الإسكندرية تعتبر حنجرة الإنسان أجمل الآلات الموسيقية ، لذلك تستخدم أحيانا الدفوف مع أصوات خورس الشمامسة والشعب .

يطلب الله الآلات الموسيقية التى للقلب والعقل ، التى يعزف عليها بروحه القدوس .

يضع الدارسون تصنيفات أخرى متنوعة فهى :

1 – مزامير تعليمية أى تهذيبية .. بناءة ولاهوتية .

2 – مزامير التكريس ( التقوى ) :

أ – الندامة على خطايا ارتكبت ..

ب – الضيق الشديد ..

جـ - الرغبة فى العون ..

3 – مزامير التسبيح والشكر ..

4 – المزامير المسيانية :

بالنسبة للمسيحيين الأوائل ، كان السيد المسيح هو موضوع تمجيد كل مزمور . فقد صورت المزامير المسيانية السيد المسيح أو تنبأت عنه .

ويعتبر سفر المزامير هو أكثر الأسفار وضوحا بعد إشعياء فى التعبير عن النبوات الخاصة بالسيد المسيح ورسالته فى كل العهد القديم .

تصور المزامير المسيانية ربنا من زوايا أربع :

أ – المسيح المتألم ،

ب – المسيح الملك ،

جـ - ابن الإنسان ، أى ابن داود ،

د – وإبن الله ، الله نفسه .

 

نقدم هنا المزامير المسيانية الهامة ، وهى :

مز 2 : الملك المرفوض يقيم مملكته ويملك .

مز 8 : الإنسان سيد الخليقة بالمسيح إبن الإنسان .

مز 16 : قيامة السيد المسيح من الأموات .

مز 22 ، 69 : الآم السيد المسيح وصلبه .

مز 23 : عناية الراعى الصالح بخرافه الناطقة .

مز 24 : رئيس الرعاة ملك المجد .

مز 40 : المسيح المطيع .

مز 45 : عروس المسيح الملكة ، وعرشه الأبدى .

مز 68 : 18 صعود السيد المسيح .

مز 72 : ملك المسيح المجيد والأبدى .

مز 80 : الرجاء العظيم واشتهاء مجىء المسيا ( 80 : 1 – 3 ، 89 : 46 ، 49 ) .

مز 89 : تأكيد لا نهائية أسرة داود الملكية .

مز 97 : الملك يملك !

مز 101 : المسيح يحكم بالبر .

مز 110 : لقبا المسيح الوظيفيين : الملك الأبدى والكاهن .

مز 118 : تمجيد الحجر المرذول .

مز 132 : الوارث الأبدى لعرش داود .

5 – المزامير التاريخية

6 – المزامير الليتورجية [ 15 ، 24 ، 50 ، 75 ، 118 ، 20 ، 21 ، 135 ] .

7 – مزامير التجليس [ 29 ، 47 ، 93 ، 95 ، 99 ] .

ترتبط هذه المزامير بتلك المدعوة " مزامير صهيون " والقائمة على الأعتقاد بأن صهيون هذه المدينة التى تذخر بالهيكل ، موضع حضور يهوه وسط الشعب .

8 – المزامير الملوكية

هذه المزامير تتنبأ عن السيد المسيح كملك يملك على قلوب مؤمنيه ويقبلهم كعروس سماوية تشاركه أمجاده ، ويمنحهم النصرة على الشر [ مثل مز 2 ، 18 ، 20 ، 21 ، 45 ، 72 ، 89 ، 101 ، 110 ، 132 ، 144 ] .

وعد الله عائلة داود بملك أبدى ، حيث يظهر الملك فى هذه المزامير أبديا ، ويتسع نطاق ملكه إلى العالم كله ، وأما علامة ملكه فهو السلام مع العدل الخ...... .

وهناك مزامير المصاعد ، ومزامير هاليل ( ترتل أثناء الأحتفالات بأعياد الفصح والمظال والخمسين ... ) . ومزامير المناسبات ومزامير التضرعات أو المراثى....الخ .

 

ملاحظات :

1 – إن أردنا أن نتفهم مزمورا ما يلزمنا أن نحاول اكتشاف الظروف الخلفية أو الأحداث التى وراء المزمور .

2- يليق بنا أن ندرك أن المزامير هى تعبيرات عن مشاعر مقدسة ، لا يفهمها إلا الذين يمارسون الحياة المقدسة .

أفضل مؤهل لدراسة أى جزء من كلمة الله هو قبول عمل الروح القدس الساكن فينا ، هذا الذى يلهب قلوبنا الباردة ، واهبا إيانا اتضاع الفكر ومشاعر صادقة .

+ شكل روحك بمشاعر المزمور ..

إن كان المزمور ينفث روح صلاة صل !

إن كان مملوء تنهدا تنهد أنت أيضا ،

إن كان مفرحا فأفرح أنت أيضا ،

إن كان يشجع واهبا رجاء ، ترجى الله ،

إن كان يدعو إلى الخوف التقوى ، ارتعب أمام العظمة الإلهية ، فإن كل الأشياء هنا تحمل مرآة تعكس سماتنا الحقيقية .... دع قلبك يعمل ما تعنيه كلمات المزامير .

 

[ القديس أغسطينوس  ]

+  +  +

المزمور الأول

الإنسان المطوب

 

يبدأ معلمنا داود النبى مزاميره

1 – بكلمة طوبى ... وهى نفس الكلمة التى بدأ بها السيد المسيح رسالته على الأرض :

" طوبى للمساكين بالروح ...الخ " مت 5 : 3 .

وهنا ينكشف لنا تشجيع الله ، فهو يطوبنا عندما نبتعد عن الشر – كما طوب السيد المسيح بطرس الرسول عند اعترافه بألوهيته " طوباك يا سمعان بن يونا ... " مع أن اعتراف بطرس لم يكن من ذاته لكن من الله الآب الذى فى السماء .

قداسة البابا شنودة الثالث يعرف كلمة " طوبى " بأنها تعنى أمرين هما : " السعادة والبركة " .

2 – ويكمل " طوبى للرجل .... " فهو يتحدث بلغة المفرد " لأنه ليس بار ولا واحد .... الجميع زاغوا وفسدوا معا ... " رو 3 : 12 ، ولكن يوجد رجل واحد – ابن الإنسان الذى قال " من منكم يبكتنى على خطية " . فكأن النبى يرى الكمال فى المسيح وحده الذى هو جسد الكنيسة ، ونحن فى عهد النعمة نأخذ منه لأننا أعضاء فى جسمه ، لذلك فى العهد الجديد قال كلمة " طوبى " بأسلوب الجمع " طوبى للمساكين بالروح ... " فكأن داود النبى قد افتتح مزاميره بالحديث عن الرب يسوع رجاء العالم كله وكمال الأنبياء والرسل والشهداء ... رئيس الإيمان ومكمله " عب 12 : 2

" طوبى للرجل الذى لم يسلك فى مشورة المنافقين ،

وفى طريق الخطاة لم يقف ،

وفى مجلس المستهزئين لم يجلس " [ 1 ]

يرى بعض المفسرين أن المشى فى مشورة المنافقين يشير إلى التفكير فى الشر ، أما الوقوف فى الطريق فمعناه الدخول إلى العمل ، وأخيرا الجلوس فى مجلس المستهزئين فيشير إلى الأندفاع نحو إغراء الآخرين وتعليمهم الشر ، وكأن مراحل الشر الثلاث هى : التفكير ثم العمل وأخيرا التعليم .

" وفى ناموس الرب يلهج نهارا وليلا "

تفهم ( هذه العبارة ) أى بلا انقطاع .. ربما يقصد بالنهار : " فى الفرح " وبالليل : " فى الضيقات " ... فقد قيل : " أبوكم إبراهيم تهلل بأن رأى يومى فرأى وفرح " يو 8 : 56....

" وكل ما يصنعه ينجح فيه "

بمعنى أنه لا ينجح فقط فى حياته الروحية بل وفى كل جوانب الحياة ، لأن النجاح هو سمة الحياة المطوبة .

" لا يقوم المنافقون فى الدينونة ، ولا الخطاة فى مجلس الأبرار " [ 5 ]

لا يقدر الأشرار أن يقوموا للدفاع عن أنفسهم فى دار الشريعة ، عندما يحل وقت القضاء ، فى الدينونة يرون الرب مهوبا ، عينيه كلهيب نار ، أما أولاد الله فيرونه عريسا سماويا يضمهم إلى مجده !

" يعرف الرب طريق الأبرار ، أما طريق المنافقين فتباد " [ 6 ]

معرفة الرب ليست إدراكا ذهنيا مجردا بل شركة فعالة ( عاموس 3 : 2 ) .

بطريقة أخرى : المسيح هو الطريق والحياة والحق ( يو 14 : 6 ) ، لنسير فى المسيح فيعرف الله الآب طريقنا .

من تأملات قداسة البابا شنودة الثالث :

هذا المزمور له طابع وعظى أو إرشادى .

هناك مزامير او صلوات يغلب عليها طابع الطلب ، وأخرى لها طابع الشكر ، وثالثة يغلب عليها افنسحاق والأعتراف بالخطية ، ورابعة عبارة عن كلام تسبيح وتمجيد ؛ أما هذا المزمور فهو عظة ، أو إرشاد تقدمه الكنيسة لك ، تتلوه فى باكر كل يوم لكى تتذكر كيف تسلك فى هذا اليوم بغير عثرة ، واضعا وصايا الله أمام عينيك .

والكنيسة تقدم لك أيضا فى بدء صلاة باكر قطعة وعظية أخرى ، عبارة عن فصل من الرسالة إلى أفسس " الإصحاح الرابع " يقول فيها القديس بولس الرسول : " أسألكم أنا الأسير فى الرب أن تسلكوا كما يليق بالدعوة التى دعيتم إليها ، بكل تواضع القلب والوداعة وطول الأناة ، محتملين بعضكم بعضا بالمحبة ، .. الخ "

هذا الفصل من أفسس ، وهذا المزمور ، إرشاد لازم فى بدء اليوم .

المسألة إذن ليست مجرد صلاة ، إنما هى أيضا سلوك .

+  +  + 

المزمور الثانى

عش ملكــــا

يقدم لنا المزمور الأول طريق الأبرار الملوكى ، طريق الأتحاد مع كلمة الله نهارا وليلا ، للتمتع بالحياة المطوبة الداخلية ، وتحاشى طريق الأشرار المهلك .

الآن فى هذا المزمور الملوكى يقدم لنا المرتل المسيا " الملك العام " بكونه الطريق الضيق المجيد ، فيه ندخل إلى معركة الصليب الروحية فنصير ملوكا ، إذ قيل : " جعلنا ملوكا وكهنة " رؤ 1 : 6 .

1 – مسيح الرب :

" قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معا ،

على الرب وعلى مسيحه " [ 2 ]

اهتمت كثير من المزامير الملوكية بالكشف عن قدسية عمل الملك ، خاصة فى هذا المزمور ، حيث ذكر أنه مختار من الله .

لقد مسح ( الإبن المتجسد ) لينوب عنى فى المعركة الروحية ، واهبا إياى نصرته ( 1 يو 2 : 13 ) . فيه نصير نحن أيضا مسحاء الرب خلال مسحة الميرون ، أعضاء جسده المقدس ، أبناء الله ، وذبائح حب من أجل الآخرين .

يقصد المرتل بالملوك والرؤساء القادة الأشرار الذين مع تباين مصالحهم اتحدوا معا عند لحظات الصليب ضد السيد المسيح . اتحد ليس فقط الأقوياء بل وأيضا الرعاع ، إذ صرخ الشعب : " اصلبه ! أصلبه ! " وكما يقول ربنا : " ابغضونى أنا وأبى " يو 15 : 24 . ابغضوه هو وأباه ، قائلين : " لنقطع أغلالهما ولنطرح عنا نيرهما " [ 3 ] .

 

2 – السماوى المتوج [ 2 ، 4 ]

" الساكن فى السموات يضحك بهم " [ 4 ]

إنه فى السماء بعيدا عن متناول تهديداتهم ومحاولاتهم العاجزة . هناك يعد عرشه للدينونة ، لذا يسهل جدا الأستهزاء بمحاولات الأعداء .

 

3 – الإبن الوحيد الجنس [ 7 ]

" أنت ابنى وأنا اليوم ولدتك " ، ولم يقل : " أنا خلقتك " .

لا يدعو الإبن الله خالقه فى ولادته الأزلية الإلهية ، بل أباه .

" هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت " مت 3 : 17 . لهذا يخدمه الملائكة بكونه فوقهم ، يسجدون له بكونه أعظم منهم فى المجد ، وفوق كل المخلوقات .. وهو وحده ابنه الحقيقى جوهريا .

المسيح القائم من الأموات :

يسبح بهذا المزمور فى صلاة باكر بكونه مزمور القيامة ...

يختم المزمور بالقول : " طوبى لجميع المتكلين عليه " [ 12 ]

الثقة فيه هى أمر أعظم من الإيمان ، فإنه إذ يؤمن إنسان أن ابن الله هو معلمنا يثق أن تعاليمه هى حق .

+  +  + 

المزمور الثالث

الله مخلصى

هذا المزمور هو مرثاة شخصية ، يعبر بها المؤمن عما يتوقعه من متاعب وآلام مع كل صباح جديد خلال معركة الخلاص التى لا تتوقف . لكن سرعان ما تتحول المرثاة إلى انشودة خلاص تملأ النفس بهجة وسلاما خلال التمتع بقيامة السيد المسيح التى تعكس علينا روح النصرة حتى على الموت ذاته ، وتسكب فى داخلنا شركة المجد الإلهى ، وتفيض علينا ببركات إلهية لا تنقطع .

بمعنى آخر هذا المزمور هو مرثاة مؤلمة وفى نفس الوقت هو أنشودة مفرحة . إنه نشيد عسكرى نعزفه أثناء المعركة الروحية ، وهو تسبحة غلبة حيث تتهشم أسنان الأشرار فنراهم أضحوكة ، بينما يتمجد الله ويتبارك شعبه .

هذا المزمور يمس حياة داود الشخصية ، ويحمل نبوة عن شخص المسيح ابن داود ، يمس حياة كل واحد منا خلال علاقته الشخصية مع مخلصه كما يمس حياة الجماعة المقدسة ككل ! يبدأ بصيغة المفرد وينتهى بصيغة الجمع : " على شعبه بركته " !

الخط الواضح فى هذا المزمور هو تمتعنا بالخلاص الإلهى خلال قيامة مسيحنا بالرغم من كثرة المقاومين لنا .

 

من تأملات قداسة البابا شنودة الثالث يقول : هذا المزمور هو مزمور عتاب مع الله ، كما فى قوله : " يارب لماذا ؟ " . وهو مزمور شكوى ، كما فى قوله : " كثر الذين يحزنوننى . كثيرون يقولون لنفسى : ليس له خلاص بإلهه " . وهو أيضا مزمور استغاثة كقوله : " قم يارب خلصنى ياإلهى " . وهو كذلك مزمور إيمان حيث يقول : " لا أخاف من ربوات الجموع المحيطين بى " .

وهو يتحدث فى صلاته عن خبراته الروحية فيقول : " بصوتى إلى الرب صرخت ، فاستجاب لى من جبل قدسه " . والمزمور أيضا فيه ثقة واتكال على الله ، إذ يقول : " للرب الخلاص وعلى شعبه بركته " ..

ومع أنه يبدأ بالشكوى والعتاب والإستغاثة إلا أنه ينتهى بالتهليل ( هللويا ) إذ يتذكر أعمال الله معه .

ويصلح هذا المزمور لكل من هو فى ضيقة من أعدائه ، ولكل من هو مضغوط من حروبه الروحية .

وهو أيضا نبوءة عن السيد المسيح فى آلامه وموته وقيامته ...

ما أعجب داود النبى فى مزاميره ! وما أعجب مزاميره : كيف تبدأ وكيف تنتهى !

 

المسيح المضطهد :

" يارب لماذا كثر الذين يحزنوننى ؟ " [ 1 ]

لقد طرد داود من موضعه ومن المدينة الملوكية ، وحرم من تابوت العهد المقدس كما من شعبه ، طرده أبشالوم الإبن المتمرد الذى وضع فى قلبه لا أن ينتزع عنه تاجه فحسب وإنما حياته نفسها أيضا ( 1 صم 15 ) ، لذا صار داود يشكو إلى الله ملجأه .

عند هروبه صعد على جبل الزيتون فى حزن شديد ، وكان يبكى بكاء شديدا ، مغطيا رأسه ، حافى القدمين ، ينشد ويصلى هذه المرثاة . بالحقيقة لم يكن ممكنا للضيق أن يسحبه من الله بل بالعكس قاده إلى ظل قيامة المسيح ابن داود الذى اجتاز الضيق والآلام والصلب .

يرى العلامة ترتليان أن هذه الصرخات إنما هى حديث السيد المسيح ابن داود مع الآب لحسابنا نحن المتألمين المتروكين كمن هم بلا عون ....

" كثيرون يقولون لنفسى ليس له خلاص بإلهه " [ 2 ]

هذا هو هدفهم فى أحاديثهم : " فلينزل الآن عن الصليب إن كان ابن الله " ، " خلص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها " مت 27 : 42 ...

" أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت " [ 5 ]

نلاحظ أن تعبير " أنا " هنا يشير إلى موت ( المسيح ) بإرادته ، إذ يقول :

" لهذا يحبنى الآب لأنى أضع نفسى لآخذها أيضا ، ليس أحد يأخذها منى بل أضعها أنا من ذاتى ، لى سلطان أن أضعها ولى سلطان أن آخذها أيضا " يو 10 : 17 ، 18 .

 

صوت القلب :

" بصوتى إلى الرب صرخت " [ 4 ]

بصوت القلب يتحدث مع الله !

من أجل هذا الصوت أمر الرب أن تكون الصلاة فى المخدع ( مت 6 : 6 ) ، حتى يتحقق هذا الصوت فى أعماق القلب فى هدوء .. هذه هى صلاة القديسين ، رائحة عذوبة تصعد أمام عينى الرب .

للرب الخلاص :

" للرب الخلاص ، وعلى شعبه بركته " [ 8 ]

ينتهى المزمور بنغمة النصرة ، هذه الفقرة ربما كانت ترنم كقرار تنشده كل الجماعة التى تقف أمام الرب الملك ، حيث يستعلن مجد الرب فى خلاص شعبه ومباركتهم .

+  +  +

المزمور الرابع

اللـــه برى

تمرد أبشالوم على أبيه داود الذى كان وراء المزمور الثالث يمكن أن يكون وراء هذا المزمور أيضا كخلفية له . فإننا نرى داود هنا كما فى المزمور السابق فى مهانة [ 2 ] ، محاطا بالأكاذيب [ 2 ] وبالسخط والكآبة [ 6 ] . ولما كانت هذه المشاعر يمكن أن تنتج عن سبب أو آخر فى حياة الإنسان ، لذلك يستخدم المزمور فى العبادة الجماعية كما فى العبادة الخاصة .

 

1 – الحياة البارة :

" إذا دعوت استجبت لى يا إله برى "

ربنا هو برنا ، وكما يقول القديس بولس : " لأن غاية الناموس هو المسيح للبر لكل من يؤمن " رو 10 : 4 .

 

2 – الحياة المتسعة ( الرحبة ) :

يدعونا ربنا إلى حمل صليبه والسير فى الطريق الضيق . وبمشاركتنا إياه فى صليبه ننعم برحابة الأفق واتساع القلب بقوة قيامته المجيدة المفرحة .

" فى الضيق رحبت لى " [ 1 ] . قدتنى من ضيق الحزن إلى طريق الفرح المتسع ....

اتساع القلب – فى رأى القديس أغسطينوس – يقتنى بالروح القدس الذى يسكب الحب فى القلب .

على نقيض أصحاب القلوب المتسعة يوجد ثقيلوا القلب والكاذبون الذين يسعون وراء الباطل . لهذا يقول المرتل :

" يا بنى البشر حتى متى تثقل قلوبكم ؟!

لماذا تحبون الباطل وتبتغون الكذب ؟! " [ 2 ]

 

3 – الحياة المستنيرة

" قد أضاء علينا نور وجهك يارب " [ 6 ] .. ففى السيد المسيح تستنير النفس وتختم بنور وجهه . بهذا يتحقق إصلاحنا وننال صورة الله ونصير على مثاله .

لقد أضاء وجه موسى النبى عندما دخل فى علاقة وثيقة مع الله .

+  +  +

المزمور الخامس

ضد المسيح

فى هذه المرثاة ، يحول داود النبى اهتمامه إلى أخيتوفل المستشار الشرير لأبشالوم ، المشبه بضد المسيح .

يظهر المرتل هنا التضاد بين أمان بيت الله والخطر الذى يلحق بمصاحبة الشرير ، يقارن المرتل بين نفسه وأخيتوفل ، بكونه رمزا للكنيسة – بيت الله الروحى – المتحدة مع إبن داود ، والتى تدخل فى معركة مستمرة مع ضد المسيح ، بينما يمثل أخيتوفل ضد المسيح وأتباعه الشعب الشرير .

صرخ داود ثلاث مرات ، سائلا الله أن يسمع صلاته ، قائلا :

" انصت يارب لكلماتى ،

وافهم صراخى .

اصغ إلى صوت طلبتى يا ملكى وإلهى " [ 1 ]

( يارب ، يا ملكى ، وإلهى ) إشارة إلى الثالوث القدوس .

التكرار ثلاث مرات هنا يشير إلى شدة محبة داود ولجاجته فى الصلاة .

 

" أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل بيتك ،

وأسجد قدام هيكل قدسك بمخافتك " [ 7 ]

بيت الله ملجأ المرتل ، وعبادته هى درعه ..

من يحب الرب يبتهج فى الرب !

+ سأدخل بيتك كحجر فى البناء .. ربما يعبر داود هنا عن اقتناعه بأن نفيه لن يدوم طويلا ، معلنا تصميمه على انتهاز أول فرصة للدخول إلى بيت الله .

+  +  +  


 

المزمور السادس

أول مزامير التوبة

أول مزمور من مزامير التوبة السبعة [ 6 ، 32 ، 38 ، 51 ، 102 ، 130 ، 143 ] التى تناسب التعبير عن حال التائب ، وقد دعيت هذه المجموعة هكذا ربما بواسطة القديس أغسطينوس .

يرى البعض أن هذه المزامير السبعة تقابل خطايا داود السبع ، وهى :

1 – الكبرياء أو الأفتخار حين أمر بتعداد رعيته .

2 – الزنا مع إمرأة أوريا الحثى .

3 – الغش حيث دعا أوريا من الجيش ليخفى خطيئته .

4 – التستر على خطيته بطلبه من أوريا أن يبيت مع زوجته .

5 – قتل أوريا .

6 – تهاونه مع إبنه أمنون الذى ارتكب الشر مع أخته .

7 – قساوة قلبه إذ لم يعترف بخطيته حتى جاءه ناثان النبى بعد حوالى عامين .

يقول قداسة البابا شنودة الثالث :

هذا المزمور من اهتمام الكنيسة به ، وضعته فى صلاة باكر ، وفى صلاة نصف الليل ، وفى صلاة الستار التى يصليها الرهبان . يقول داود النبى فى مقدمته :

" يارب لا تبكتنى بغضبك ، ولا تؤدبنى بسخطك " .

وهو هنا يعترف بخطيته ، ويعترف بأنه يستحق التبكيت والتأديب ، إنما يطلب ألا يكون ذلك شديدا عليه .

يقول للرب : " لا تبكتنى بغضبك " ، لأنه إنسان ضعيف ، لا يحتمل غضب الله .. لو أدبتنى يارب بغضبك ، يمكن أن تفنينى ، ولا تبقى على . وهذا المعنى قاله أيضا إرميا النبى " أدبنى يارب ولكن بالحق . لا بغضبك لئلا تفنينى " ( إر 10 : 24 ) .  

التبكيت له بركات ، ويمكن أن ننتفع بها ..

ولنا مثال عجيب فى تبكيت ربنا يسوع المسيح لبطرس الرسول ، ذاك الذى أنكر ولعن وجدف !

قال له يسوع : " يا سمعان بن يونا ، أتحبنى أكثر من هؤلاء ؟ ارع غنمى ، ارع خرافى ... " . وكرر السؤال ثلاث مرات ( يو 21 : 15 – 17 ) .

وكثير من الخطايا لم يبكت عليها الله ...

لم يبكت إبراهيم الذى ادعى أن سارة أخته ( تك 20 : 2 )

الإنسان هو الذى يكثر من التبكيت .

 

" إرحمنى يارب فإنى ضعيف "

( ارحمنى ) هى أكثر كلمة مستعملة فى الكنيسة وفى صلواتها . ولا توجد صلاة فى رفع بخور باكر أو فى رفع بخور عشية أو فى المزامير ، إلا وفيها عبارة ( ارحمنا ) . ونكررها مرات كثيرة فى قولنا ( كيرياليصون ) .

ارحمنى يارب لأنى ضعيف ... وأيضا لأن قلبك واسع يتسع لكل خطية .

 

" اشفنى يارب فإن عظامى قد اضطربت ،

 ونفسى قد انزعجت جدا " [ 1 – 3 ]

لو ارتعش الجسد لكان الأمر سهلا جدا ، أما أن تضطرب العظام الصلبة القوية ، البنيان الهيكل الجبار ، فإن هذا يدل على أن جسده كله على وشك الضياع ...

بدأ يشعر أنه مريض ، جسدا وروحا ، فالخطية ونتائجها لها تأثير على كليهما .

وادى ظل الموت :

" وأنت يارب فإلى متى ؟ ..

لأنه ليس فى الموت من يذكرك ،

ولا فى الجحيم من يعترف لك " [ 4 ، 6 ] .

سؤال يحمل عمق اليأس وعجز الإنسان اللانهائى !

لذا لا خلاص له إلا بالنعمة الإلهية والمراحم الأبوية !

" عد ونج نفسى وأحينى من أجل نعمتك " [ 3 ، 4 ] .

لماذا يقول المرتل " عــد " ؟ أليس الله حاضر فى كل مكان ؟

يجب أن نميز بين نوعين من الحضور ، حضور الله المالىء كل مكان ، وحضور النعمة حيث يسكن وسط شعبه وفى داخل قلوبهم ، معلنا اتحادهم به .

" لأنه ليس فى الموت من يذكرك ، ولا فى الجحيم من يعترف لك " [ 5 ]

المرتل يعنى بالموت الخطية التى يقترفها الإنسان ضد الناموس الإلهى ، لهذا تدعى شوكة الموت ، ما دامت تؤدى إليه " لأن شوكة الموت هى الخطية " 1 كو 15 : 56 . هذا الموت يتمثل فى تجاهل الإنسان لـلـــه ، واحتقاره ناموسه ووصاياه .

هناك كثيرون أحياء بالجسد لكنهم أموات ولا يقدرون على التسبيح لله ... وهناك كثيرون قد ماتوا بالجسد لكنهم يسبحون الله بأرواحهم ، إذ يقال : " يا أرواح وأنفس الأبرار سبحى الله " [ راجع دا 3 : 86 – تتمة دانيال فى الترجمة السبعينية ] ، " كل نسمة فلتسبح الرب " مز 150 : 6 .

+  +  +

المزمور السابع

أنشودة القديس المفترى عليه 

مرثاة يرفعها المرتل متضرعا أمام محكمة الرب العادلة ، مناسبتها هى حادثة كانت وقعت لداود حين اضطهده أعداءه ، ربما شاول ورجاله ، الذين افتروا عليه ، فهرب إلى حضرة الرب فى الهيكل ، لأجل سلامته الشخصية ، وللبت فى القضية واستصدار حكم بها وإعلان براءته .

" أيها الرب إلهى ، عليك توكلت ،

خلصنى من أيدى جميع المطاردين ونجنى ،

لئلا يخطفوا نفسى مثل الأسد ،

حيث ليس من ينقذ ولا من يخلص " [ 1 ، 2 ] .

هنا أول مثل فى المزامير فيه يذكر اسمين للقدير : " يهوه " ( الرب ) ، و " إلهى " . إذ كان داود مضطربا يتطلع إلى عدوه القاسى كأسد يود أن يمزقه [ 2 ] ، ولهذا يرفع صلاة وتسبيحا للرب ( يهوه ) الذى يدخل مع شعبه فى عهد لحمايتهم ..

الأسد هنا هو الشيطان ، الخصم المقاوم لكل البشر . إنه أسد زائر ومشتك ، يتهمنا ، وهو كذاب وأبو الكذاب ، هو الحية القديمة ، رئيس سلطان الهواء ، إله هذا الدهر ، رئيس الظلمة ، الروح الذى يعمل حتى الآن فى أبناء المعصية ، وما من أحد يستطيع الصمود أمامه بقوة ، أما حماية الرب فهى الرجاء الوحيد والأخير للخلاص منه .

يعلن داود المرتل براءته أمام الله ، قائلا :

" أيها الرب إلهى إن كنت فعلت هذا ،

وإن كان ظلما فى يدى ،

أو جازيت الذين صنعوا بى الشرور ،

أسقط إذن أمام اعدائى فارغا " [ 3 ، 4 ] .

سقط شاول بين يدى داود مرتين ، مرة فى مغارة عدلام وأخرى فى برية زيف ، لكنه لم يمس شعرة منه ولم يؤذه ... هكذا يتعامل رجل الله مع عدوه من بنى البشر بالخير الذى أوصاه به الكتاب المقدس ( 1 صم 24 ، 26 ) .

+ أى مجد لنا إن كنا لا نؤذى من لا يؤذينا ؟! بل الفضيلة الحقة هى أن نغفر لمن يؤذينا .

قم يارب :

" قم يارب برجزك ،

وارتفع فوق أقطار أعدائى ،

أستيقظ يارب وإلهى بالأمر الذى أوصيت ،

ومجمع الشعوب يحوط بك ،

ولأجل هذا أرجع إلى العلا " [ 6 – 8 ] .

يلاحظ فى الليتورجيات الخاصة بأعياد الصليب تختار المزامير التى يرد فيها كلمة " ارتفع " ؛ وكأن الكنيسة تتطلع إلى هذه المزامير بكونها إعلانا عن ارتفاع السيد المسيح على الصليب ليحطم العدو إبليس ويهب النصرة لشعبه ومجدا لأبيه .

هنا قبل أن يتحدث عن الحكم أو الدينونة الأنقضائية فى يوم الرب العظيم يشير إلى :

 صلب الرب " ارتفع " ...

 وقيامته " استيقظ " .....

وصعوده " ارجع إلى العلا " .

يقول المرتل " قم " للرب الذى لا ينعس ولا ينام ( مز 121 : 4 ) . فى وسط الضيق يبدو لنا وكأن الشر قد انتصر ، لذا نصرخ إلى الرب بكلمات المرتل هذه التى تكشف عن مدى نفاذ صبره وما يعانيه من عذاب .

ارتبطت هذه الصرخة أو هذا النداء بتابوت العهد الذى يرمز للحضرة الإلهية وسكنى الله وسط شعبه وهم فى البرية أو أثناء الحروب فيما بعد . [ عدد 10 : 35 ، مز 68 : 1 ، 1 صم 4 : 1 – 4 ] .

" فاحص القلوب والكلى هو الله " [ 9 ] .

الله فى دينونته للأشرار لا يحتاج إلى شهود ، إذ هو مدرك للخفيات ، عارف ما تخفيه القلوب من مشاعر أو عواطف وأفكار ، وعالم بما فى الكلى من رغبات وشهوات ... كل شىء مكشوف وعريان أمامه ، فلا يخطىء الحكم .

يشبه المرتل الأشرار أيضا برجل يحفر حفرة لأخيه فيسقط فيها ، إذ يقول :

" حفر جبا وعمقه سيسقط فيه ،

وفى الحفرة التى صنعها " [ 15 ] .

يكشف داود النبى أن الخطية تحمل فى أعماقها جزاءها ، كما يحمل البر فى ذاته المجازاة ، هكذا يعلن الكتاب المقدس :

" من يحفر حفرة يسقط فيها ، ومن يدحرج حجرا يرجع عليه " أم 26 : 27 .

" من يحفر هوة يقع فيها ، ومن ينقض جدارا تلدغه حية " جا 10 : 8

" جلبت طريقهم على رؤوسهم " حز 22 : 31 .

" ساروا وراء الباطل وصاروا باطلا " إر 2 : 5 .

 

يختم المرتل المزمور بالأعتراف بعدل الله والتسبيح لأسمه ، إذ يعمل الله فى حياته ويرد الشر على العدو الشرير .

" اعترف للرب على حسب عدله ،

وأرتل لأسم الرب العلى " [ 17 ]

الله هو العلى فى سمو مجده ، ليس أحد مثله ، ولا شريك له ، وليس أحد بجانبه .

+ يا له من قول جميل : " العلى " ، لأن الرب ارتفع قدر ما اندحر الشيطان .

+  +  +


 

 

المزمور الثامن

سلطان إبن الإنسان

هذا المزمور هو أغنية تسبيح أو حمد ، تمجد الله الخالق ، لأنه أعطى البشر المسئولية والكرامة ، يدور المزمور كله حول عظمة الله ومجده خلال عظمة الإنسان وكرامته .

يرى بعض الدارسين أن هذا المزمور نظمه داود النبى ليلا ، حين كان يسهر على القطيع ، فهو زاخر بالتأملات الليلية .

مزمور مسيانى

اقتبس هذا المزمور فى العهد الجديد ثلاث مرات ، فيشير إليه ربنا يسوع المسيح حينما هتف الأطفال فى الهيكل : " أوصنا لأبن داود " مت 21 : 16 ، كما اقتبسه بولس الرسول فى 1 كو 15 : 27 ، وعب 2 : 5 – 9 ، مظهرا أنه يشير إلى ربنا .

وقد اعتبر مزمورا مسيانيا على أعلى مستوى ، إنه نبوة تخص السيد المسيح فى آلامه ، وقيامته ، وسلطانه على كل المخلوقات . فيقول أحد الدارسين السريان : [ المزمور الثامن يخص المسيح مخلصنا ] .

" أيها الرب مثل عجب صار اسمك على الأرض كلها ،

لأنه قد ارتفع عظم بهائك فوق السموات " [ 1 ]

عجيب هو اسم الله فى الخلقة وفى عهده الذى أقامه مع الإنسان ، أينما وجد الإنسان !

مجده يملأ " الأرض كلها " كخالق للمسكونة .

" لأنى أرى السموات أعمال أصابعك ،

القمر والنجوم أنت أسستها " [ 3 ] .

يذكر هنا القمر والنجوم دون أن يشير إلى الشمس ، لأنها ترمز إلى " ربنا يسوع المسيح " ، العريس السماوى ( مز 19 : 5 ) .

القمر بتغيراته يرمز إلى " الكنيسة " ، أما النجوم بأمجادها المتباينة فى النور فترمز إلى " المؤمنين ".

يتحدث المرتل عن السموات بكونها " أعمال أصابعه " . كما فى كل الصناعات اليدوية يستخدم الإنسان أصابعه ، لهذا وكنوع من الإخلاء والأتضاع قيل إن الله صنع السموات بأصابعه ، مع أنه بدون أعضاء جسدية .

الناموس أيضا كتب بأصبع الله ( خر 31 : 18 ) ، التى نفهم بها الروح القدس . فإن الروح القدس الذى يسجل كلمات الله فى قلوبنا هو القادر وحده أن يحولنا إلى سموات !

" وضعته قليلا عن الملائكة " [ 5 ]

الله الذى هو بالطبيعة فوق الملائكة ، قد اتضع وأنقص قليلا عنهم بإخلائه ذاته بالتجسد ، ليهبنا شركة مجده ( عب 2 : 6 – 8 ، 1 كو 15 : 27 ) .

+ لأنه حمل طبيعتنا أنقص قليلا عن الملائكة  .

تمجيد اسم الرب [ 9 ]

لا يختم المرتل مزموره بالتأمل فى سلطان الإنسان على الأرض ، وإنما يعود إلى البداية حيث يعلن مجد اسم الرب إلهنا .... وكأن مجد اسمه هو البداية والنهاية ، أما مجدنا فهو عطية من الله الممجد فى كل الأرض .

" أيها الرب ربنا ، مثل عجب صار اسمك على الأرض كلها " .

+  +  +

المزمور التاسع

تسبحة الغلبة

المزموران 9 ، 10

يرتبط المزموران 9 ، 10 إرتباطا وثيقا ببعضهما البعض ، وقد وجد اتفاق شبه عام على أنهما يكونان مزمورا واحدا . وفى الحقيقة تدعوهما النسخة السبعينية المزمور التاسع ، وقد تبعتها الترجمة اللاتينية المسماة الفولجاتا وأيضا النصوص الليتورجية القديمة فى الكنيسة الشرقية والغربية .

" اعترف لك يارب من كل قلبى ،

وأحدث بجميع عجائبك ،

أفرح وأتهلل بك .

أرتل لأسمك أيها العلى " [ 1 ، 2 ] .

افتتاح هذا المزمور هى صلاة شكر من أجل نوال نصر ظافر وأكيد على أعداء المرتل . يمكن فهمه على أنه نذر للرب ، به ينذر العابد الحقيقى أنه سيشهد باسم الرب ويتحدث بجميع عجائبه .

 

الرب الديان

" فى ارتداد عدوى إلى خلف يضعفون ويهلكون جميعا من وجهك ، لأنك صنعت حكمى وانتقامى " [ 3 ]

إن سقط أعداؤنا الروحيون إنما يتحقق ذلك فى حضرة الله . فحضوره ومجد قوته كفيلان بتدمير لأعداء شعب الله .

 

الرب الملجأ

" وكان الرب ملجأ للفقير ،

وعونا فى أوقات موافقة فى الضيق " [ 9 ]

يعانى الأبرار الذين يعرفون اسم الرب من متاعب كثيرة ، خلالها يكتشفون أن الله ملجأ لهم . وقد استخدم المزموران 9 ، 10 العديد من الأسماء بها يشير إلى الأبرار : المساكين ، المتواضعين ، البائسين ، المحتاجين ، الأبرياء ، اليتامى ، طالبى الرب وعارفى اسمه . 

الله هو ملجأ عال لحماية قديسيه ، لن يبلغ إليه أقوى أعدائهم الأشرار .

العدو يميتنى بالقلق والمخلص يرد لى البهجة والفرح :

" يا رافعى من أبواب الموت ،

لكيما أخبر بجميع تسابيحك ،

فى أبواب إبنة صهيون ،

أبتهج بخلاصك " [ 14 ]

بالخطية تغلق علينا أبواب الموت الأبدية ، وتفقد النفس سلامها مع الله ومع ذاتها فلا تقدر على التسبيح . أما مسيحنا الغالب للموت فيرفعنا من أبواب الموت بعدما حطم متاريسه ، وأطلق لسان قلوبنا بالفرح لننشد له تسابيح الفرح . يدخل بنا إلى إبنة صهيون ، الكنيسة السماوية ، التى تشارك السمائيين بهجتهم وليتورجياتهم وتسابيحهم .

 

يعاقب الله على الشر ، ويكافىء الأبرار على صبرهم :

" سيعرف الرب أنه صانع الأحكام ،

والخاطىء بأعمال يديه أخذ ...

وصبر البائس لا يهلك إلى الدهر " [ 16 ، 18 ]

تظهر عدالة الله فى معاقبته الأشرار ومكافأة الأبرار .

+  +  +

المزمور العاشر

لا تنس المساكين يارب

يتحدث المزمور السابق عن الأعداء الخارجين أما هنا فعن الأعداء الداخليين الذين يظلمون المساكين والأيتام ، متجاهلين حكم الله وقضاءه .

ينتهى المزمور بالإيمان بالرب العطوف على اليتيم والبائس ، فلا يدع الأشرار المتكبرين فى مجتمع ما أو على مستوى المسكونة كلها أن يطغوا على من لا عون لهم ، العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم ، فيطردونهممن مواضعهم .

يرى بعض الدارسين أن المزمور يمثل استغاثة تصدر عن الكنيسة وقت الأضطهادات ، خلالها تتوجه أنظارها واهتماماتها إلى التكريس للشهادة الإنجيلية ، كما تعين المؤمن فى احتماله ضيقاته ومتاعبه الشخصية ، وما يعانيه من كبرياء الأشرار .

والعجيب أن هذا المزمور يناسب المؤمن التقى الساقط تحت وطأة الضيق أينما وجد فى العالم ، وفى أى زمان ! إنه يصف الكنيسة المتألمة ، كنيسة السيد المسيح ، ويكشف عن المصير المحتوم للأشرار أعدائها .

" يارب لماذا تقف بعيدا ؟

لماذا تختفى فى أزمنة الضيق ؟ " [ 1 ]

الله لا يتخلى قط عن قديسيه أثناء ضيقهم ، لكن المؤمن أحيانا إذ ينتظر التعزية الإلهية طويلا يبدو له وسط آلامه كأن الله يقف صامتا ، أو كأنه يقف بعيدا ، فيصرخ متساءلا : " يارب ، لماذا تقف بعيدا ؟ " .

بلا شك أن حضور الله هو مصدر الفرح والتعزية لشعبه ، أما الشك فى حضوره فيسبب قلقا وفقدانا للسلام الداخلى . وإن كان البعض يرى فى تساؤل المرتل عتاب حب واعتراضا مقدسا ورعا وليس غريبا . فقد حدث موقف مماثل على الصليب ، قائم على أساس الإيمان بأن الله يرى كل شىء ، وأنه وحده قادر أن يهب النجاة ، فهو إله عادل يحكم بالعدل فى النهاية ...

الشدة لا بد أن تزول يوما ما ، لكن ما أقتنيه هو إشراق وجهك على وقت الضيق ...

" قم ياربى وإلهى ..

ولترتفع يدك ،

ولا تنس المساكين " [ 12 ]

بعدما وصف المرتل سمات الشرير المرة ومقاومته العنيفة الشرسة والمملوءة دهاء ضد أولاد الكنيسة المدعوين " مساكين " ، يصرخ المرتل طالبا تدخل الله المخلص الذى يبدو كما لو كان نائما فى السفينة : " قم ياربى وإلهى  ! " .

حينما يفتر إيماننا إلى حين نصير كأننا نائمون أو كأن السيد المسيح نائم فى سفينتنا فنيقظه كما فعل تلاميذه ، قائلين له : " يا سيد نجنا فإننا نهلك " مت 8 : 25 .

لعل المرتل هنا – إذ تشتد به الضيقة جدا – يجد فى صليب رب المجد وقيامته سر القوة ، فيصرخ أن ترتفع يده ، أى يعلن قوة صليبه حيث ارتفعت يده بالقوة لتحطم سلطان إبليس مصدر الشر ، طالبا منه أن يقوم فى قلبه ، واهبا إياه قوة قيامته مصدر الغلبة حتى على الموت ، فيقول مع توما الرسول : " ربى وإلهى " !

+  +  + 

المزمور الحادى عشر

الإيمان أعظم من الهروب

تسبحة الواثق

يظهر داود النبى هنا وقد أشار عليه اصدقاؤه الذين خارت قلوبهم أن يهرب إلى أحد الجبال ليحتمى فيها من وجه مطارده شاول ( 1 صم 23 : 7 – 18 ) . لكنه رفض مشورتهم ، مؤمنا أن الله الملك البار لن يتخلى عنه ، الله خالق الجبال هو ملجأه . ويرى بعض الدارسين أن هذا المزمور هو أحد المزامير الناطقة بأسم الشعب التى تكشف عن العون الإلهى فى مقابل أعداء همجيين برابرة .

ولم يرفض داود مشورة أصدقائه ليس لأن هروبه يعد بمثابة عار بالنسبة لقائد مثله ، وإنما لأن هذه المشورة حملت نوعا من عدم الثقة بالله ، الأمر الذى لا يليق برجل الله ، الذى اعتاد أن يترنم فى داخل قلبه ، قائلا : " على الرب توكلت " [ 1 ] .

 

مشورة زائفة

" على الرب توكلت ،

فكيف تقولون لنفسى انتقلى على الجبال مثل العصفور ؟! " [ 1 ]

يذكر داود مشورة أصدقائه [ 1 – 3 ] ، الذين أشاروا عليه أن يترك بلده ، ويلجأ إلى أحد الجبال .

الجبن دائما خطير ، إنه من الأعمال الراجعة إلى عدم الإيمان . كل مشورة بترك موقع العمل هى تصرف شرير أحمق . ما قاله أصدقاؤه قد أحبطه وجرح مشاعره كمؤمن يضع ثقته فى الله .

لسنا ننكر أن داود النبى هرب أكثر من مرة من وجه شاول مضطهده وأيضا من وجه ابنه المتمرد أبشالوم ، إذ يوجد هروب شرير وهروب مقدس :

1 – الهروب الشرير ، هو ذاك الذى يقوم على الخوف الداخلى وفقدان الأتكال على الله والثقة فى عنايته وحمايته . هذا ما رفضه داود النبى !

2 – الهروب المقدس ، هو ذاك الذى فيه نهرب من وجه الشر ، لا عن عدم إيمان أو ثقة وإنما لعدم تبديد الوقت فى مقاومة الشر . فقد هرب ربنا يسوع المسيح إلى مصر من وجه هيرودس ( مت 2 : 13 ) . وهرب يوسف الصديق من إمرأة فوطيفار ! وفى سفر الرؤيا هربت المرأة من وجه التنين إلى البرية ( رؤ 12 : 6 ) .

 

" الرب فى هيكل قدسه ،

الرب فى السماء كرسيه ،

عيناه إلى المساكين تنظران ،

أجفانه تفحص بنى البشر " [ 3 ، 4 ]

يحاول البعض خداع البسطاء بسحبهم إلى الظلمة ، بعيدا عن ضوء القمر ، لكن الإيمان يرفعهم من الأرض إلى الكنيسة السماوية الروحية ، ليروا بهاء العرش الإلهى . هناك يعاينون الرأس ، القدوس ، مصدر برنا . يسكن الرب فى هيكل قدسه ، ومع هذا فعرشه فى السماء ، بمعنى أن الذين يمارسون العبادة الروحية يتمتعون بالمجد السماوى ملجأ لهم .

 

" الرب عادل ويحب العدل " [ 7 ]

كما بدأ المزمور هكذا ينتهى بكلمة " الرب " الذى سمته أنه " بار " ، و " عادل " – يجيب على كل مخاوف المؤمن المضطهد .. العدل فى وجهه !

+  +  +

 

المزمور الثانى عشر

كلام الأشرار وكلام الأبرار وكلام الله

يكشف المرتل هنا عن فاعلية كلمات بنى البشر الفارغة [ 1 – 4 ] ، وعلى النقيض من ذلك الأثر الصالح لكلمات الله النقية [ 5 – 8 ] ، وعن كلمات أو صرخات الأبرار البائسين [ 5 ] . ويعتبر الكلام الشرير أكثر الشرور تدميرا لنفس الإنسان وللشركة الأسرية وللكنيسة .

 

يقدم لنا المرتل ثلاثة أنواع من الكلام :

1 – كلام الأشرار : كذب ورياء وكبرياء ... ينطقون بفم أبيهم ، إبليس ، الكذاب وأبو كل كذب ، المخادع والمتعجرف .

2 – كلام الأبرار : تنهدات المساكين بسبب ما يعانونه من ضيق ومتاعب فى هذه الحياة . الرب أبونا يسمع كلمات القلب وتنهداته الخفية .

3 – كلام الله : كلام نقى ، مصدر الخلاص .

يرى البعض أن هذا المزمور هو مرثاة جماعية ، نطق بها المرتل باسم الجماعة الخائفة الله ، فهى تصرخ تطلب الخلاص والعون من الأشرار الغاشين الذين حملوا صورة الرياء والكذب من جانب ، وصورة العنف والظلم من جانب آخر ... يعلن المرتل كيف طال انتظار شعب الله مترجين عمل الله الخلاصى لحفظهم من المنافقين ، لقد وجدوا الإجابة شافية فى كلمته الإلهية التى تقدم وعوده الإلهية !

 

" خلصنى يارب فإن البار قد فنى ،

والحقوق قد قلت من بنى البشر " [ 1 ]

تطلع داود النبى فى مرارة نفسه ليجد كأن جيله قد خانه ، صار كمن يتعامل مع بنى بليعال ، ليس بينهم بار يثق فيه .

لعل داود النبى كان يتكلم باسم السيد المسيح الذى جاء ليخلص العالم ، فقد فسدت الطبيعة البشرية وضاع الحق من حياة الإنسان ، لذلك يصرخ بإسمنا طالبا الخلاص بتجديد طبيعتنا واتحادنا مع الحق !

لا طريق لعودة الحياة البارة ورجوع الحق إلى العالم إلا بخلاص السيد المسيح ، لهذا يبدأ المرتل بصرخة قصيرة وقوية : " خلصنى يارب " .

 

" الآن أقوم يقول الرب ،

أصنع الخلاص علانية ،

كلام الرب كلام نقى ،

فضة محمية مجربة فى الأرض ،

قد صفيت سبعة أضعاف " [ 5 ، 6 ] .

تقود كلمات البشر المتغطرسة إلى الإلحاد ، إذ يقولون :

 " شفاهنا هى منا ، فمن هو ربنا ؟! " أما ربنا فكلماته نقية ، مثل الفضة المصفاة بالنار سبعة مرات ، كلماته فى حقيقتها هى وعود مقدمة لنا ، تضمن لنا أماننا فيه . 

+ " صفيت سبعة أضعاف "  ، وذلك :

1 – بمخافة الرب .

2 – بالصلاح .

3 – بالمعرفة .

4 – بالقدرة .

5 – بالمشورة .

6 – بالفهم .

7 – وبالحكمة ( إش 11 : 2 ) .

إذ توجد سبع درجات للتطويب ، صعد عليها الرب كما جاء فى متى ، فى نفس العظة التى نطق بها على الجبل ( مت 5 : 3 – 9 ) .

" وأنت يارب تنجينا وتحفظنا ،

من هذا الجيل وإلى الدهر " [ 7 ] .

إنه أمان وسط الضيق .

يبقى الأشرار مقاومون لأولاد الله فى كل جيل وفى كل موقع فى العالم حتى انقضاء الدهر ، وتبقى كلمة الله مخلصة لنا وحافظة إلى التمام .

+ كلمتك يارب واهبة الخلاص !

هى حصنى وخلاصى ، هى بهجتى وكل حياتى !

+  +  + 

المزمور الثالث عشر

إلى متى يارب ......؟

يبدو أن داود قد واجه تجارب لا تنتهى فى فترة ما من حياته ، وقد جاء هذا المزمور بمثابة تضرع يسكبه أمام الله حتى يعينه ضد أعدائه .

من تأملات قداسة البابا شنودة الثالث :

إنه أحد مزامير صلاة باكر . وهو مزمور أنين وشكوى وعتاب من إنسان فى ضيقة ، وقد طال عليه الوقت فى ضيقته .

ولذلك فإن عبارة ( إلى متى ؟ ) تكررت أربع مرات فى صلاة هذا المزمور :

قال : إلى متى يارب تنسانى ؟ إلى الإنقضاء . حتى متى تحجب وجهك عنى ؟ إلى متى أردد هذه الأوجاع فى قلبى ، وهذه الأحزان فى نفسى النهار كله ؟ إلى متى يرتفع عدوى على ؟

هذا التكرار لم يكن تذمرا ، إنما لجاجة فى الصلاة .

هو لون من الإلحاح على الرب . فمهما طالت به المدة فى ضيقته ، لا ييأس ، وإنما يرفع قلبه إلى الله متضرعا وقائلا : إلى متى ؟ رغبة منه فى أن يتدخل الله لإنقاذه ...

عبارة ( إلى متى ) تظهر لنا أن أوقات الألم تبدو طويلة ..

إن ساعة واحدة فى ألم شديد من مرض قاس ، تبدو أطول من ساعات أو ايام فى المتعة والبهجة . دائما لحظات الحزن والوجع والألم طويلة ، وأيام الفرح تبدو قصيرة .

إن يعقوب أبا الآباء خدم من أجل راحيل 14 سنة " وكانت فى عينيه كأيام قليلة بسبب محبته لها " ( تك 29 : 20 ) ..

داود هنا يعاتب الله : لماذا تقف ساكتا فى ضيقتى ؟ " أسرع وأعنى " ( مز 70 ) .

إن طالت عليك أوقات الألم ، فكر فى سببها . ربما يكون داخلك !

ربما طالت بسبب عدم صبرك ، أو عدم إحتمالك ! قد يشعر الإنسان بطول فترة الضيقة ، إذا لم يستطع القلب أن يصرفها من الداخل .. إذا كان فى القلب شىء من الضجر أو التذمر أو عدم الصبر ، أو عدم الإيمان بأن الرب سيخلصه وينجيه . وهكذا يفقد الرجاء أيضا ، فيتعب

إن حلت بك ضيقة ، لا تركز أفكارك فى الضيقة ومتاعبها ، وإنما فى الله الذى سوف ينجيك منها ...

انشغل عن الضيقة بالتفكير فى شىء آخر . فكر فى إحسانات الله ، وفى وعوده ، وفى أعمال محبته . وفى كل ضيقة تمر بك ، قل لنفسك هذه العبارات :

 مصيرهــا تنتهى ، كله للخير .. ربنـــــا موجود .....

إنه مزمور يبدأ بالأنين والشكوى والصراخ ، وينتهى بالشكر والفرح والتهليل والتسبيح .

+  +  +

المزمور الرابع عشر

الجاهــــــل

ركز هذا المزمور ( مع مز 53 الذى يطابقه ) على الإنسان الجاهل ، وقد ظهر " الجاهل " فى سفر المزامير خمس مرات ، هنا وفى المزمور 53 حيث يقول " لا إله " 14 : 1 ؛ 53 : 1 ؛ ويهين الجاهل البار ويعيره ( مز 39 : 8 ) ، أما ما هو أشر فهو أنه يهين اسم الله ( مز 74 : 18 ، 22 ) .

" قال الجاهل فى قلبه ليس إله موجود ،

فسدوا وتدنسوا بأعمالهم .

ليس من يصنع خيرا حتى ولا واحد " [ 1 ] .

تحوى الآيات 1 – 3 مرثاة قوية عن فساد الأشرار الذين يقولون " لا إله " . هذا القول لا يعنى إلحادا عقيديا وإنما إلحادا عمليا ، فإن اقتراف الخطية بتصميم وإصرار هو جهالة وإلحاد عملى .

خلال الجهالة :

لا يستطيع الأشرار أن يقنعوا أنفسهم بأنه ليس إله ، لكنهم يشتاقون ألا يكون هناك إله . إنهم ملحدون حسب الرغبة .

ليست غباوة أعظم من نسيان الله فى الحياة اليومية .

يظهر الأشرار حماسا شديدا لآرائهم الشخصية وقوتهم وسلطانهم بل واستعدادهم للموت من أجل رأيهم الذاتى .

يتجاهل الأشرار طبيعتهم الفاسدة .

صار الجهلاء رجسين فى طرقهم وأفعالهم وانحرافاتهم . ذبائحهم وبخورهم رجس عند الرب ، حتى أعيادهم واحتفالاتهم دنسة ( أم 15 : 8 ؛ إش 1 : 13 ) .

ربما يصنع الأشرار أمورا صالحة لكن تبقى دوافعهم الداخلية شريرة .

 

" كلهم قد حادوا جميعا وفسدوا معا ،

وليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد " [ 3 ] .

خلال شبه اتحاد أو اتفاق فيما بينهم ، لأن الجميع زاغوا وفسدوا ، الكل قد تدنس وارتد !

" ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد "

إنه فساد الطبيعة البشرية بسبب خطية آدم وحواء، أصبحت البشرية فى حاجة إلى تجديد طبيعتها الفاسدة !

 

وإذ رأى " الكلمة " أن فساد البشر لا يمكن إبطاله بأية وسيلة سوى الموت كشرط ضرورى .. فلهذه الغاية أخذ لنفسه جسدا قابلا للموت ..

" من يعطى من صهيون خلاصا لإسرائيل ( الكنيسة ) ،

إذا ما رد الرب سبى شعبه ؟!

فليتهلل يعقوب ويفرح إسرائيل " [ 7 ]

التحرر من السبى معناه المتحرر من أى شر وبيل وأية ضيقة عظيمة . لقد كنا فى سبى إبليس حتى جاء الإبن فحررنا بصليبه ، مانحا إيانا بهجة وخلاصا !

+  +  + 

المزمور الخامس عشر

الحياة على قمم الجبال

يبدو مناسبا جدا أن يلى هذا المزمور المزمور السابق ( 14 ) مباشرة ، فالسابق يكشف عن خصال الشرير أما هذا المزمور فيكشف عن خصائص الإنسان التقى .

ربما يعبر المزمور عن أعماق أفكار داود وهو فى المنفى ، حيث كان محروما من العبادة فى بيت الرب .

كان هذا المزمور جزءا من مزامير الأحتفال عند باب الهيكل . كان الهيكل هو بيت الله الذى لا يمكن دخوله إلا فى أوقات معينة وبشروط خاصة . وكان الزائر الذى يحج إلى هذه الأماكن المقدسة يلتزم بأن يستأذن الكاهن المختص متى رغب فى الدخول ، فيسأل :

" يارب من يسكن فى مسكنك ؟ أو من يحل فى جبل قدسك ؟ [ 1 ]

يجيبه حارس البيت مقدما السمات المطلوبة للدخول ...

يسأل الزائر [ العلمانى ] ويجيب الكاهن لا بتقديم قائمة عن التزامات طقسية خارجية وإنما التزامات تمس فحص ضميره ..

" يارب من يسكن فى مسكنك ( خيمتك ) ؟!

أو من يحل فى جبل قدسك ؟! [ 1 ] .

يتساءل المرتل : يارب أنت هو القدوس الساكن فى السموات ، من يقدر أن يقترب إلى مسكنك أو تكون له شركة معك ؟ السماء ليست بطاهرة فى عينيك ، وإلى ملائكتك تنسب حماقة فكيف يستطيع الإنسان القابل للموت أن يقترب إلى بهاء لاهوتك ؟

يؤمن المرتل أن الذى لم يتهيأ للكنيسة السماوية المجيدة فى الدهر الآتى لا يستحق العضوية الروحية فى الكنيسة هنا على الأرض .. من سوف لا يشترك فى شركة الحياة الأبدية هو غريب حتى عن ملكوت الله هنا .

سمات ضيف الله :

1 – بلا لوم

2 – " السالك بلا عيب ويعمل العدل " [ 2 ]

3 – " ويتكلم الحق فى قلبه " [ 2 ]

4 – يحب قريبه : " الذى لم يغش بلسانه ، ولم يصنع بقريبه سوءا ، ولم يقبل عارا على جيرانه " [ 3 ] .

5 – احتقاره الأقوياء الأشرار وتكريمه خائفى الرب :

" فاعل الشر مرذول أمامه ،

ويمجد الذين يتقون الرب " [ 4 ] .

6 – يفى بكل وعوده للناس ، مثبتا إخلاصه لهم :

" الذى يحلف لقريبه ولا يغدر به " [ 4 ] .

7 – لا يعطى أمواله بالربا ولا يرتشى على الأبرياء [ 5 ]

يليق بالراغب فى سكنى بيت الله أبديا ألا يقرض ماله بالربا ولا يأخذ رشوة على البريء ، بل يمتلىء قلبه حبا وحقا ، بهذا يتحقق ما ختم به المرتل المزمور : " الذى يصنع هذا لا يتزعزع إلى الأبد " .

+  +  +

المزمور السادس عشر

الله كفايتى وفرحى

كان داود يتأمل فى كمال الشبع الذى يجده فى الله ، وملء الفرح الذى يهبه الله وحده . فى أغنية الثقة هذه ، يحتمى المرتل فى الهيكل معبرا عن ثقته بالرب الذى يملك على أرض شعبه .

بركات الله :

1 – يحفظ الله مؤمنيه من خلال حبه لهم :

" احفظنى يارب فإنى عليك توكلت " [ 1 ]

يستهل العابد صلاته بتوسل أن يحفظه الله ويهتم به ، وتناسب هذه الصلاة داود النبى والسيد المسيح ، حياة داود كانت دائما مهددة بالخطر من شاول ورجاله ... ولم يكن له من يحفظ حياته إلا الله وحده .

أما عن السيد المسيح ، ففى أثناء تجسده قدم صلوات وتوسلات بصراخ عظيم ودموع ، إلى ذاك القادر أن يخلصه من الموت ( عب 5 : 7 ) .

من أجلنا دخل مسيحنا إلى الضيق ليصرخ كممثل لنا طالبا من الآب أن يحفظه ، وإذ سمع له من أجل بره الإلهى صرنا نحن – كأعضاء جسده محفوظين .

" قلت للرب أنت ربى ،

ولا تحتاج إلى خيراتى " [ 2 ]

إذ تلتقى النفس بالله مصدر حمايتها تدخل كما فى عهد فتقول له " أنت ربى " ، تتحدث معه ، وتعلن ثقتها فيه بكونه ربها ، وأنها ليست ملكا لذاتها ولا سيدة نفسها ، بل سلمت حياتها له بكونه ربها وقائد حياتها .

 

2 – يكشف الله أسراره لقديسيه

" أظهر عجائبه لقديسيه الذين فى أرضه ،

وصنع فيهم كل مشيئاته " [ 3 ] .

تستمد كلمة " قديسيه " معناها من أصلها ، من مفهوم الشعب المقدس الذى أفرزه الله له أو عزله له ، دعاه ليعلن قداسة الله ومجده للعالم من خلال معاملات الله معهم وشهادتهم له .

 

3 – يمنحنا الله ذاته كأسا لنا ويكون نصيبنا

" الرب هو نصيب ميراثى وكأسى ،

أنت الذى ترد إلى ميراثى " [ 5 ]

 

4 – يهبنا الله حكمة وفهما

" أبارك الرب الذى أفهمنى ،

وأيضا إلى الليل أدبتنى كليتاى " [ 7 ]

كثيرا ما كان البابا كيرلس السادس يردد هذه العبارة ، ويكتبها لأبنائه الأحباء ... فإن الحكمة أو الفهم أثمن ما يقدمه الله للإنسان ، بكون كلمة الله نفسه هو " الحكمة " .

 

5 – يمنحنا الله رؤيته الدائمة :

" تقدمت فرأيت الرب أمامى فى كل حين ،

لأنه عن يمينى كى لا أتزعزع " [ 8 ]

إن كان الله يهب مؤمنيه المعرفة الحقة ليتمتعوا بحبه ويسلكوا حسب مشيئته ، فإن غاية هذه المعرفة العملية أن نراه هنا بالإيمان كعربون لرؤيته فى الدهر الآتى بالعيان . نراه هنا فى كل شىء ، نهارا وليلا ، ونحن سائرين وأيضا ونحن جالسين ، نراه فى كل ما نصنعه وفى كل ما نحتمله من آلام .

 

6 – يهبنا التهليل فى رجاء :

" من أجل هذا فرح قلبى ،

وتهلل لسانى ،

وأيضا جسدى يسكن على الرجاء ،

لأنك لا تترك نفسى فى الجحيم ،

ولا تدع صفيك أن يرى فسادا " [ 9 ، 10 ] .

الله كمصدر شبع للنفس البشرية يقدم لنا " التهليل " هبة من عنده لمن هم فى شركة معه ، فتمتلىء قلوبنا فرحا وسعادة ، إذ نشعر بالآمان مادمنا بين ذراعى الله .

+  +  +


 

 

المزمور السابع عشر

التأديب يقود إلى رؤية الله

هذا المزمور هو مرثاة قدمها إنسان متهم ظلما فاحتمى بالهيكل ينتظر حكم الله فى قضيته . ربما صلى به داود حين ضايقه الأعداء ، وقد سجله عندما كان فى برية معون ، حينما قام شاول ورجاله على مسيح الرب ( 1 صم 23 : 25 ) .

1 – اللجوء إلى الله لتأكيد براءته [ 1 – 5 ]

جاءت افتتاحية المزمور صلاة لتبرئته يليها تثبيت هذه البراءة .

" استمع يا الله عدلى ( برى ) ،

واصغ إلى طلبتى ،

وانصت إلى صلاتى فليست هى بشفتين غاشتين " [ 1 ]

يطلب المرتل من الله أن يستمع إليه ويصغى وينصت ، مكررا ثلاث مرات فى هذا العدد طالبا من القاضى أن ينصفه . هذا التكرار لا يقدم منه باطلا وإنما دليل اللجاجة وعدم اللجوء إلى آخر غيره .

كان داود بارا ، بريئا من الأخطاء المتهم بها – غير أن السمات الواردة هنا [ عدلى ( برى ) ، بشفتين بلا غش ] تنطبق على السيد المسيح أولا وقبل كل شىء ، إذ هو البار الكامل ، وشفتاه بلا غش ( 1 بط 2 : 22 ) ، يشفع ببره عن شعبه ، ويستمع الآب على الدوام إلى شفاعته .

السيد المسيح هو المتضرع ، الذى يصلى كرأس من أجل جسده ، الكنيسة ، حاسبا قضية شعبه قضيته الخاصة به ، متشفعا لأجل قديسيه ، لأنه " فى كل ضيقهم تضايق " إش 63 : 9 ، قائلا لشاول : " شاول شاول ، لماذا تضطهدنى ؟! " أع 9 : 4 .

ونحن أيضا كأعضاء فى جسد المسيح يليق بنا أن نحيا بالبر ، لأن الآب لا يمكنه أن يتعامل معنا ما لم نكن أمناء معه بالتمام ، لنا بر المسيح . هو يعرف دوافعنا الحقيقية ، قد نخدع أنفسنا أحيانا ، لكننا لا نقدر أن نخدع الله .

 

2 – طلبة من أجل الرحمة [ 6 – 12 ]

يثق المرتل فى رحمة الله كعون إلهى له :

( أ ) نزول الله إلينا :

" أنا صرخت إليك لأنك سمعتنى يا الله .

أمل أذنيك يارب ، واستمع كلامى " [ 6 ]

صرخة داود النبى تنبع عن خبراته القديمة مع الله أنه يشتاق أن يستمع ليستجيب .

 

( ب ) إعلان خلاصه ومراحمه للذين عن يمينه :

" عجب مراحمك يا مخلص المتكلين عليه من الذين يقاومون يمينك " [ 7 ] .

إذ ينزل مسيحنا إلينا يعلن مراحم الله العجيبة خلال دمه الثمين ، واهب الخلاص للذين يؤمنون به ويتكلون عليه فى حياتهم العملية اليومية . بالمسيح يسوع صرنا عن يمين الآب ، نحمل قوته .. الأمر الذى يثير عدو الخير فيقاومنا بشدة ، وهنا يظهر عجب مراحم الله التى تحول المقاومة إلى نصرة !

تمتعنا بيمين الله لا ينزع الحرب عنا بل يثيرها بالأكثر ، وفى الحرب نطلب نعمة الله بالأكثر لننال الغلبة ونكلل أبديا !

 

( جـ ) حفظه إيانا مثل حدقة العين :

" احفظنى يارب مثل حدقة العين " [ 8 ]

لا يوجد جزء من جسم الإنسان يحتاج إلى رعاية وعناية مثل العين ، وقد وضعها الله فى مكان أمين ، إذ هى مستريحة بين عظام بارزة كحصن لها ، وكأنها بأورشليم التى تحوط بها الجبال من كل جانب ، غايتها التمتع بالرؤيا الصادقة لتدير الجسم كله فى الوضع السليم ، تنذر الجسم بالمخاطر وتكشف له عن الطريق .

 

3 – تمجيد الله [ 15 ]

" وأنا بالبر أترآى لوجهك ،

وأشبع عندما يظهر مجدك " [ 15 ]

تتحقق رؤية الله على الأرض بالإيمان ، وفى السماء بالعيان وجها لوجه . نحن هنا نعاين مجد الرب كما فى مرآة سميكة معتمة ، كعربون لرؤيته فى مجده خلال رؤى الخلود .

+  +  +

المزمور الثامن عشر

نعمة الملوكية

هذا المزمور الذى يطابق 2 صم 22 هو مزمور شكر ملوكى ، ليس من أجل انتصار عسكرى ناله المرتل مرة واحدة ، وإنما من أجل كم هائل من تدخلات الله المملوءة رأفات ، من أجل حياة كاملة غنية باختبارات محبة الله المترفقة . إنها قصيدة انتصار سجلها داود فى أواخر حياته بعد أن استراح من جميع أعدائه ، وعلى رأسهم شاول ، وقد أنقذه الرب من بين يديه . فبالرغم من إخلاص داود له لم يكف عن أن يتعقبه بلا شفقة .

مزمور مسيانى ملوكى

اقتبس القديس بولس هذا المزمور مرتين بكونه يخص السيد المسيح ( رو 15 : 9 ؛ عب 2 : 13 ) . ويطبق بعض المفسرين المزمور كله على السيد المسيح . وهو يصنف كمزمور مسيانى ، إذ أوضح داود أن ملكه إنما كان صورة ورمزا لمملكة المسيح . لقد اكتشف أن الخلاص الحقيقى لا يتحقق بهلاك شاول ورجاله بل بهلاك إبليس وجنوده الروحيين ، خلال نصرة المسيح وموته وقيامته ومجده وملكوته . لقد أقامنا ملوكا روحيين ( رؤ 1 : 6 ) .

يرى البابا أثناسيوس الرسولى أن المزمور يتضمن سبعة أمور :

1 – مقاومة الأعداء لنا

2 – الأستعانة بالله .

3 – نزول السيد المسيح إلينا ليخلصنا .

4 – صعود الرب إلى السماء .

5 – الله ينقذ الإنسان من الأعداء .

6 – رفض اليهود ( فقدان كرامة البنوة لله وصيرورتهم غرباء )

7 – قبول الأمم ( قبولهم نعمة الملوكية بالإيمان خلال السماع ) .

 

خلاص من براثن الموت [ 1 – 5 ]

" أحبك يارب قوتى ،

الرب هو ثباتى ( صخرتى ) وملجأى ومخلصى ،

إلهى عونى وعليه أتكل .

عاضدى وقرن خلاصى وناصرى " [ 1 ، 2 ] .

هذه هى تسبحتنا ، إذ نعرف أننا فى المسيح نستطيع أن نعبر من براثن الموت إلى شركة الأمجاد السماوية . هنا نجد قائمة تكاد تكون كاملة للإستعارات المختلفة الخاصة التى تعبر عن قوة الله وخلاصه .

علاقتى بالله شخصية هذا الذى أحبه بكونه " قوتى " بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، إنه يسندنى ، ويمنحنى الشجاعة والنجاح والأستقرار .

 

قوة القيامة :

" وفى شدتى دعوت الرب ، وإلى إلهى صرخت .

فسمع صوتى من هيكل قدسه .

وصراخى قدامه يدخل فى أذنيه .

تزلزلت الأرض وصارت مرتعدة .

اضطربت أساسات الجبال وتزعزعت ،

لأن الرب سخط عليها " [ 6 ، 7 ] .

سماع الله للصلاة ليس أمرا جديدا ، إذ يسر الله أن يسمع صرخات مؤمنيه الصادرة من الأعماق . سمع الله لداود من الهيكل ، أى من الخيمة حيث يوجد التابوت ، أو من السماء عينها ، لأن الهيكل الأرضى رمز للسماوى .

 

الله الكلى الحب ، الكلى الوداعة ، يعلن ذاته نارا آكلة للعدو المقاوم للمجد الإلهى أو لشعبه المسكين ، لهذا يقول المرتل :

" ارتفع الدخان برجزه ،

والنار التهبت من أمام وجهه ،

والجمر اشتعل منه " [ 8 ]

هذا التصوير يعلن غضب الله لا كأنفعال للأنتقام ولكن بكونه العدالة التى لا تقبل الظلم ، والقداسة التى لا تطيق الخطية .

 

" طأطأ السموات ونزل ،

والضباب كان تحت رجليه " [ 9 ]

ما كان ممكنا للإنسان وقد انحدر إلى الموت أن يلتهب بنار الحب الإلهى ، وتشتعل فيه الجمرة المقدسة ، ما لم ينزل السماوى نفسه إليه ، يطأطى ء السموات ليلتقى بنا على أرضنا ، فيهبنا روحه القدوس النارى . نزل إلينا متجسدا ، فأخفى بهاء لاهوته ، لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد ( 1 كو 2 : 8 ) ...

 هذا ما عبر عنه المرتل بقوله : " الضباب كان تحت رجليه " . اختفى مجده وانحجب عن الأعين البشرية كما بضباب قاتم ...

 

مع كل ضيقة يستطيع المؤمن أن يتمتع بالجالس على المركبة الشاروبيمية ، واهب الخلاص ، إذ يقول المرتل :

" ركب على الشاروبيم وطار .

طار على أجنحة الرياح " [ 10 ]

... أى ركب بعيدا فوق حدود كمال المعرفة ، مظهرا أنه لا يقدر أحد أن يقترب منه إلا بالحب ، لأن المحبة هى تكميل الوصايا ( رو 13 : 10 ) .

" طار على أجنحة الريح " إعلانا عن سرعة مجيئه لخلاص أولاده ، دون أن يوجد عائق فى الطريق .

" جعل الظلمة حجابه ، تحوطه مظلته " [ 11 ]

نزل إلينا ليخلصنا بنفسه ، لكنه احتجب فى الناسوت ، لكى نقبله بالإيمان ، فإن كانت البصيرة الخارجية يصعب أن تخترق الضباب المحيط به كمظلة لتدرك أسراره ، فإنه بالإيمان تستنير بصيرتنا الداخلية القادرة أن تدخل إلى الأعماق وتلتقى به وتتعرف على أسراره الخفية .

 يقول إشعياء النبى : " حقا أنت إله محتجب " 45 : 15 ، يقول المرتل : " السحاب والضباب حوله " مز 97 : 2 .

 

" من لميع وجهه جازت السحب ،

قدامه بردا وجمر نار " [ 12 ] .

يرى البعض أن المرتل هنا يصف البرق ، أسهم الله التى تنتشر وتهزم أعداء داود ، فإن الله لا تنقصه الوسيلة ليحقق غضبه ونشر قوته الخلاصية . وكأنه يمزق السحاب إربا ، ويرسل سهامه التى لا يعوقها السحاب بل تقتحم السحاب كأنه غير موجود . تنفتح السماء بأكملها كما يحدث أثناء البرق ( حيث يبدو كأنه يمزق السحب ) .

" أرعد الرب من السماء ،

والعلى أعطى صوته " [ 13 ]

هكذا نتقبل كلمة الله ، خاصة النبوات التى سبق فتحدثت عن الخلاص كرعد صدر من السماء ... يتكلم الله فتهتز السماء والأرض ، يتحدث بكلماته كما بأعماله .

 

" ظهرت عيون المياة ،

وانكشفت أساسات المسكونة ،

من انتهارك يارب ،

ومن نسمة ريح رجزك " [ 15 ]

ما هى عيون المياة التى ظهرت إلا المعمودية ،

 إذ يقول إشعياء النبى : " فتستقون مياها بفرح من ينابيع الخلاص " 12 : 3 .

أما أساسات المسكونة ، أى التلاميذ ، فيتكئون على السيد المسيح حجر الزاوية الذى رفضه البناؤن فى البداية ، وعلقوه على خشبة ، فصار ذلك خلاصا لكنيسة الله وبنيانا لها على مستوى سماوى .

 

" مع البار بارا تكون ،

ومع الرجل الزكى تكون زكيا .

ومع المختار تكون مختارا ،

ومع المعوج تتعوج " [ 25 ، 26 ] .

الرحوم ينعم برحمة الله ، والحنون يتمتع بحنانه الإلهى ، والكريم يختبر كرم الله ، أما الذى يصر على أن يكون قاسيا فيترك لتصرفاته ، ويحرم نفسه من لطف الله .

 

" لأنك أنت تنير سراجى ،

إلهى يضيىء ظلمتى " [ 28 ] .

يفيض قلب المرتل بالشكر والثقة معترفا أن الله يضيىء سراجه ، بمعنى أن الله يهبه الحياة الحقة ، إذ لا انفصال بين الأستنارة والحياة ، فعندما تعرض داود فى أواخر أيامه للقتل أشار عليه رجاله ألا يعود يخرج إلى الحرب حتى لا ينطفىء سراج إسرائيل ( 2 صم 22 : 17 )

 

+ مصباحا واحدا أنظر ، وبنوره أستضىء ، والآن أنا فى ذهول ، أبتهج روحيا ، إذ فى داخلى ينبوع الحياة ، ذاك الذى هو غاية العالم غير المحسوس .

" إلهى طريقه نقية ،

كلام الرب مختبر بالنار ،

وهو ناصر جميع المتكلين عليه " [ 30 ]

طريق الرب الضيق نقى ، من يدخله يدرك كمال الطريق من جهة الحب والرحمة والعدالة والقداسة والصلاح والأمان والضمان والنجاح . علينا أن نبدأ الطريق الإلهى وننتظر لنرى نهايته .

+  +  +

المزمور التاسع عشر

الله يعلن عن ذاته

ربما كان داود يتأمل جمال السموات وقت السحر حين ألهم بكتابة هذا المزمور .

تعلن الخليقة عن قدرة الله ومجده ، أما كلمته فتعرفنا حب الله الخلاصى من أجل تقديسنا ، أى تعلن عن قداسته . ومن خلال خبرتنا اليومية نكتشف العلاقة الشخصية بين الله وكل عضو من أعضاء الكنيسة ، التى تتحقق خلال نعمته الإلهية .

" السموات تذيع مجد الله " [ 1 ]

السموات هى الكتاب الذى يمكن للعالم كله أن يستقى منه معرفته بالله . يكشف علم الفلك عن بعض عجائب السموات غير المدركة . القليل الذى نعرفه عن ملايين النجوم والمجموعات الشمسية يكشف عن مجد الله ، كما يقدم لنا شعورا بالفرح إذ خلق الله الكون كله لأجلنا . فنحن الخليقة الترابية ننظر إلى فوق نحو السموات ، متأملين أعمال الله ، ممجدين إياه ، لا نعيش كالحيوانات متطلعين بأنظارنا إلى أسفل نحو الأرض .

+ التناغم الرائع الذى للسموات يعلن عن الحكمة التى تشع فى الخليقة وتبرز عظمة مجد الله من خلال الأمور المنظورة .

 

" يوم إلى يوم يبدى كلمة ،

وليل إلى ليل يظهر علما " [ 2 ]

كل الأيام والليالى هى ينابيع تفيض بمجد الله وتعلن مراحم الله ورعايته المتجددة فى حياتنا . تفتح قلوبنا بالحب المتجاوب مع حب الله فنسمع صوته الإلهى إلينا بكلمة خاصة بنا ، وينير أذهاننا بالعلم الروحى والمعرفة .

مع كل نهار إذ يشرق شمس البر ينطق المؤمنون بكلمات جديدة تعكس تجديدهم المستمر وخبرتهم مع الثالوث القدوس . تصير حياتهم ينبوعا يفيض مياة حية بلا توقف .

 

" ليس أقوال ولا كلام ،

الذى لا تسمع أصواتهم ،

فى كل الأرض خرج منطقهم ،

وإلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم " [ 3 ، 4 ] .

تشهد الكنيسة للإنجيل بحياتها أكثر مما بكلماتها . إذ يسكن كلمة الله فى حياتنا الداخلية ينطق للآخرين حتى بصمتنا . بالحياة المقدسة فى المسيح نعلن عن الأخبار السارة خلال الصمت كما بالكلمات .

 

" جعل فى الشمس مظلته ( مقدسه ) ،

وهو مثل العريس الخارج من خدره " [ 5 ]

الشمس فى العبرية كما فى الآرامية " مذكر " ، لهذا تقارن الشمس بالعريس .

السيد المسيح – العريس السماوى – هو شمس البر الذى يشرق والشفاء فى أجنحته ( ملا 3 ) .

فى كبد السماء نصبت الشمس خيمتها ، وتبدو كأنها تسير مثل ملك جبار فى موكب علنى عالمى ، تشع ببهائها على مشارق الأرض ومغاربها .. إنها كملك يرحل ، يضرب خيمته ثم سرعان ما يخلعها ويرحل إلى موضع آخر .

تشرق الشمس بنورها وتبعث حرارتها لتهب حياة ، هكذا جاء شمس البر يشرق على نفوس مؤمنيه فى المشارق والمغارب ليهبهم استنارة ودفئا روحيا وحياة متجددة على الدوام .

+ إنه هو الذى يعد خيمته – الكنيسة – فى الشمس ، على مرأى من جميع الناس .

 

" ناموس الرب بلا عيب ، يرد النفوس ،

شهادة الرب صادقة ، تعلم الأطفال " [ 7 ]

إن كنا قد فسدنا بالخطية فلم يعد فينا أى فى جسدنا شىء صالح ، فإن ناموس الرب أو كلمة الله بلا عيب ، تحمل النفس الفاسدة إلى الصليب لتنهل من الدم الكفارى ، فتصير هى أيضا بلا عيب .

" شهادة الرب " ، تشهد عن مرارة الخطية ، وعن صدق وعود الله بالخلاص التى تقدم للنفوس الواثقة فى الرب ، كثقة الأطفال البسطاء فى والديهم ، الذين يلتقون على صدورهم كما على صخرة الحب ، يتمتعون بعهده الإلهى الصادق .

" فرائض الرب مستقيمة تفرح القلب ،

وصية الرب مضيئة ، تنير العينين عن بعد " [ 8 ] .

كلمة الرب ليست أوامر ونواه تسبب مرارة للنفس ، إنما هى علامة حب بين الله والإنسان ، تبعث الفرح الداخلى ..

" خشية الرب زكية ، دائمة إلى أبد الأبد ،

أحكام الرب أحكام حق وعادلة معا " [ 9 ]

" خشية الرب " ، بمعنى مخافة الرب هنا لا تعنى خوف العبيد إنما روح التقوى .

لئلا يساء فهم الخوف ، أبرز المرتل شوق المؤمن للكلمة وتقديره لها وإحساسه بعذوبتها ، إذ يقول :

" شهوات قلبه مختارة أفضل من الذهب والحجر الكثير الثمن ،

وأحلى من العسل والشهد .

وأن عبدك يحفظها ، وفى حفظها مجازاة كثيرة " [ 10 ، 11 ] .

الكلمة الإلهية الشاهدة عن أبوة الله وحنانه ليست فرضا نتغصبه ، وإنما هى أولا " شهوة قلب " ، تطلبها الأعماق إذ تجد فيها شبعها الحقيقى ، وهى الغنى الحق أفضل من الذهب والحجر الكريم ، وعذبة أحلى من العسل والشهد ، بجانب هذا كله تقدم مجازاة كثيرة ... أبدية لا يغبر عنها . إنها فوق كل غنى العالم وقيمه وملذاته الأرضية .

 

" ...... وتكون جميع أقوال فمى بمسرة ،

وتلاوة قلبى أمامك فى كل حين ،

يارب أنت معينى ومخلصى " [ 14 ]

هكذا يختم المرتل المزمور بالسرور والفرح المعلنين بالفم والقلب ، خلال التسبيح العلنى والخفى ، لأن الله هو معيننا فى كل عمل صالح ومخلصنا غافر الخطية !

+  +  +

المزمور العشرين

الله يخلص الملك

هذا المزمور ملوكى ، ليتورجى ، ومسيانى . كان يخص طقس الهيكل للملوك ، خاصة فى وقت الحرب .

نظمه داود ليصلى به عند نجاح حملته ضد بنى عمون وآرام الذين جاءوا بعدد عظيم من الخيل والمركبات لمحاربته ( 2 صم 10 : 6 ، 8 ، 1 أى 19 : 7 ) . بمعنى آخر ، وضع داود المزمور كصيحة قتال ، به يحث نفسه والشعب ويدفعهم إلى الصلاة .

يرى كثير من آباء الكنيسة أنه نبوة عن آلام السيد المسيح وأعماله الخلاصية من أيدى أعدائنا ، إذ تنتصر مع مسيحها !

هذا الملك الغالب فى المعركة هو المؤمن ( رؤ 1 : 6 ) ، المدعو جندى المسيح ، وكما يقول القديس بولس : " فاشترك أنت فى احتمال المشقات كجندى صالح يسوع المسيح " 2 تى 2 : 3 .

من تأملات قداسة البابا شنودة الثالث :

مزمور [ يستجيب لك الرب فى يوم شدتك ] ، هو أحد المزامير المعزية التى تملأ القلب رجاء ، وتشعره أن الله معك .

تصور أن هناك ملاكا من السماء ، يخاطبك ويقول لك : يستجيب لك الرب فى يوم شدتك ، استمع إلى هذه العبارة من فم ملاكك الحارس ....

تخيل أن داود النبى ، وهو فى فردوس النعيم ، يبعث إليك رسالة خاصة ، ويقول لك فيها : لا تخف ولا تضرب فى كل ضيقاتك ، يستجيب لك الرب فى يوم شدتك .

تصور أن هذه العبارة المعزية ، آتية إليك من الله ، على فم أى إنسان مرسل من السماء ، أو هى عبارة صادرة إليك من أرواح القديسين .

تخيل أن الكتاب المقدس نفسه يقول لك : يستجيب لك الرب فى يوم شدتك ... فى وسط متاعبك ، فى وسط اضطرابات الحياة من حولك ، الله ينظر إليك ، ويرى ، ويستجيب ...

اعتبر أن هذا المزمور هو رسالة سلام من الكنيسة إليك ، رسالة عزاء من الكنيسة إليك ، رسالة تطمئنك وتفرح قلبك .

تخيل أن أحد الآباء الكهنة يصلى على رأسك ، ويقول لك هذه البركة " يستجيب لك الرب فى يوم شدتك " .

أشعر أنها وعد من الله موجه إليك فى وقت الصلاة ، كعبارة عزاء ورجاء وتشجيع . وعد صادق أمين من وعود الله ، يقول لك فيه الوحى الإلهى " يستجيب لك الرب فى يوم شدتك ، ينصرك إسم إله يعقوب "

قل هذا المزمور بكل إيمان ، وشجع به نفسك فى وقت الضيق ، حتى لا تيأس ولا تتضايق ولا تتعب . شاعرا أنه كما أن عبارات هذا المزمور قد تحققت فى الماضى ، هى أيضا تتحقق اليوم وفى كل حين ، ومع كل مؤمن فى ضيقه ..

هذا المزمور يمكن أن تصليه من أجل أحبائك ...

تصليه من أجل غيرك من الناس ... تعرف أن إنسانا ما فى شدة ، فتقف أمام الله ، كما لو كنت توجه هذا الكلام إلى نفس ذلك الإنسان ، وتقول له " يستجيب لك الرب فى يوم شدتك " .. إنها عبارة دعاء منك إلى كل نفس متعبة ، تطلب لها من الرب معونة ..

يستجيب الرب لصلاتك ، لصومك ، لنذورك ، لتذللك ....

دموعك أمام الرب محجوزة ومخزونة فى زق عنده ، لا ترجع فارغة ، بل يستجيب لها الرب ، كما استجاب لدموع القديسة مونيكا أم أوغسطينوس ، وكما استجاب لدموع حنة ولنذرها ، ومنحها إبنا هو صموئيل .

إن كان الله يستجيب فى كل حين ، فبالحرى فى وقت الشدة ، حينما يكون الإنسان محتاجا ولا عون له . لذلك فإن الكنيسة تصلى لأجل جميع الذين هم فى شدة .

" فى يوم شدتك "

أى أن حياة المؤمنين والقديسين ، ليست سهلة على الدوام ، أو كلها فرح ويسر وهدوء ! على العكس ، فيها تجارب ومتاعب ...

والمفروض فى العلاقة بينى وبين الله ، أن تكون علاقة حب ، وليست علاقة طلب فى وقت الشدة !

وعلاقة الحب لا تمنع الطلب ، فالإبن يطلب من أبيه الذى يحبه .

والرب نفسه قال " اطلبوا تجدوا " . ومن جهة الضيق قال أيضا " ادعنى فى وقت الضيق ، أنقذك فتمجدنى " [ مز 50 : 15 ] .

" يستجيب لك الرب " معناها أنه يصنع معك خيرا ....

إن استجابة الرب ليست مطلقة حسب طلباتنا ، وإلا كان معنى هذا أن نسير الإرادة الإلهية وفق هوانا !!

+ قد تطلب من الرب لأجل شفاء مريض ، ولا يشفى بل يموت . لا تتضايق وتظن أن الله لم يستجب فى وقت الشدة !

ربما ملائكة كثيرون ممسكون بالأكاليل ، كانوا ينتظرون خروج نفسه من هذا العالم الباطل ، لكى يزفوها إلى الفردوس . وأنت تريد بصلواتك أن يظل هذا المريض مربوطا بالعالم !!

كلما تتعقد الأمور ، ويبدو أنه لا مخرج ، ينظر الرب ، ويريك أنه توجد عنده حلول كثيرة .

" ينصرك إسم إله يعقوب "

ليس المقصود على الدوام أنه ينصرك على أعدائك والمقاومين والمضطهدين لك ، الخفيين والظاهرين ، فمن الجائز أن ينصرك على نفسك :

ينصرك على عرائزك وشهواتك ، على رغباتك ومشاعرك وأفكارك . ينصرك على الوحش الكامن فى أحشائك من الداخل ، ينصرك على طباعك وعلى نفسيتك وانفعالاتك ، سواء كان فيك خوف أو يأس ، أو ملل وعدم ثبات ، أو اضطراب ، أو حقد ، أو ذاتية ، أو كبرياء ، أو حسد ....

ينصر روحك على جسدك ، وينصر عقلك على نزواتك .

ينصر الحكمة فيك على الإنفعال ، وينصر التضحية فيك على الذاتية .

" ينصرك " لأن الله لا يحب لأولاده الهزيمة ....

إذن الغلبة لم تكن بقوتهم هم ، إنما بدم الخروف .

" يذكر جميع ذبائحك ، ويستسمن محرقاتك " ..

الذبيحة ، هى كل ما كان يذبح للرب ، والمحرقة أيضا ذبيحة . ولكن ما الفرق ؟

الفرق أن بعض الذبائح كان يأكل منها الكاهن أو مقدمها ، والبعض كان يأكل منها أصدقاء مقدمها أيضا ( مثل ذبيحة السلامة ) . فذبيحة الخطية مثلا ، ينال منها مقدمها غفرانا ( حسب الرمز ) . وذبيحة السلامة علامة فرح يعم على الجميع .

أما المحرقة ، فكانت إرضاء الرب ، رائحة سرور للرب ( لا 1 ) ، لذلك كانت للمذبح وحده ، ولنار الرب وحدها . لا يتناول منها أحد . تظل تأكل فيها النار حتى تصير رمادا ، إشارة على أن عدل الله قد استوفى حقوقه من الخطية .

محرقاتك هى كل ما تفعله لإرضاء قلب الله وحده . وذبائحك هى كل خير تعمله لأجل الآخرين ولأجل خلاص نفسك . 

" الآن علمت أن الرب قد خلص مسيحه ، واستجاب له من سماء قدسه "

" الآن .. " أثناء الصلاة ، وهو ما زال واقفا يطلب ...

عرف وهو واقف يصلى ، أن الرب قد خلصه ، خلص مسيحه ، وأنه استجاب له ، لذلك اعترف لله بخلاصه .

 

كتب أبونا تادرس يعقوب متأملا فى هذا المزمور:

" يستجيب لك الرب فى يوم شدتك " [ 1 ] .

 مسرة الله أن يستجيب صلوات مؤمنيه الذين يثقون فيه ، واهبا إياهم نصرة وحماية وسرورا

ما هو يوم الشدة ؟ إنه اليوم الذى فيه حمل ربنا يسوع خطايانا ، محتملا الموت ، موت الصليب ، لأجلنا .

الحياة الحاضرة هى " يوم شدة " ، أو " وادى الدموع " ، لأن الكنيسة كعروس للمصلوب تشارك عريسها آلامه ، وتصارع بنعمته ضد الظلمة ، وتجاهد حتى يتمتع كل واحد بنعمة الخلاص .