المدخل لسفر المزامير
- الكتاب المقدس
- تأملات قداسة البابا شنودة الثالث .
- تأملات فى المزامير [ للقمص / بيشوى كامل ]
_______________________________
المزامير :
هى سفر الصلاة الذى ألهم به الروح القدس داود النبى وغيره ، من المرنمين .. ومعلمنا بولس الرسول عندما يتحدث عن الصلاة يقول :
" لسنا نعلم ما نصلى لأجله كما ينبغى ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها . ولكن الذى يفحص القلوب يعلم ما هو اهتمام الروح " رو 8 : 26 – 28 .
+ لذلك أحيانا ما نصلى وربما تكون صلاتنا ليست بحسب مشيئة الله .
+ وأحيانا نطلب من الله أمورا تضرنا – فى الوقت الذى فيه علمنا الرب يسوع ألا نطلبها .... " لا تهتموا بالغد " ... " اطلبوا ملكوت الله وبره " ....
+ وأحيانا لا نريد أن نطلب من الله أن ينقى حياتنا بالتجارب ، عندئذ تذكرنا المزامير بصلاة داود " ابلنى يارب وجربنى ونق كليتى " ...
+ وأحيانا ننسى الصلاة الدائمة فنجد داود النبى يرتل :" أبارك الرب فى كل وقت وفى كل حين تسبحته فى فمى " " محبوب هو اسمك يارب ، فهو طول النهار تلاوتى " .
وأمثلة أخرى كثيرة تؤكد لنا أن الذين يهملون صلاة المزامير بتأمل يضيعون على أنفسهم فرصة الصلاة بحسب مشيئة الله .
ويقول القديس أثناسيوس الرسولى : [ إنه باستثناء مزامير النبوات عن المخلص والأمم يمكن للقلرىء أن يتناول كلماتها لشفتيه على أنها كلماته ويترنم كل إنسان بها على أنها كتبت لفائدته الخاصة ... فهى مرآة تكشف كل أعماله ، وسيجد الإنسان نفسه – قديسا كان أو خاطئا – سيجد أنه يصف نفسه .
ويكمل القديس قائلا : فسنجد فى المزامير لا مجرد انعكاس حالة نفوسنا مع الوصية ، بل أيضا صياغة الكلمات الموافقة التى بها نسبح الرب فى كل مناسبات حياتنا.
+ فعندما نشكر الرب تعلمنا الكنيسة أن نقول المزمور 135 ( الهوس الثانى ) – اشكروا الرب لأنه صالح وخير . لأن رحمته كائنة إلى الأبد ،
كذلك المزمور 103 الذى يقول : " باركى يا نفسى الرب ولا تنسى كل حسناته ... " .
+ وعندما نخطىء ونريد التوبة فأمامنا المزمور 6 ، 32 ، 38 ، 50 ، 60 ...
+ وعندما يضطهدنا الآخرون فأمامنا المزمور 27 ، 91 .
+ وإذا رأيت الغير مجدفا على حكمة الله ... فتشفع من أجلهم بالمزمور 14 ، 35 .
+ وإن أردت أن تتعلم كيف تقف فى حضرة الله فقل المزمور 15
+ وإذا أردت أن تتعلم كيف كان موسى يصلى فاقرأ المزمور 90
+ وستجد المزمور 65 كافيا كلما اشتهيت أن تسبح الله .
+ وعندما تجد الأبرار فى ضيق والأشرار فى رخاء وسلام فلا تعثر أو تضطرب بل رنم المزمور 73 .
+ وعندما يغضب الله على شعبه رتل مزمور 74 .
+ وإذا أردت أن تشهد لله فأمامك المزامير 9 ، 71 ، 75 ، 92 ، ومن 105 إلى 108 ، 111 ، 118 ، 126 ، 138 .
+ وإذا اشتقت إلى البيت السماوى فرتل مز 84 .
+ وإذا أردت الترنم مع خدام الرب فرتل مزمور 81 ، 95 .
+ وإذا أردت أن تشجع نفسك مع الآخرين على خوف الله فقل مزمور 91 .
+ وليوم الرب ( الأحد ) رنم مز 24 ، وليوم الأثنين ( بداءة الأسبوع ) مز 95 أما يوم الجمعة ( يوم لبوت المسيح ) فرتل مز 93 .
+ وعندما تنتصر وترى الله ملك على قلبك فقل المزمور 97 .
+ وعندما تريد اختبار النمو الروحى فرنم ترانيم المصاعد من 120 – 134 .
+ والإنسان يمتحن بالتجربة ، فاشكر الله عندما تعبرها وقل مز 139 .
+ وعندما تريد النجاة من التجربة الشريرة فقل المزمور 140 .
+ وإن أردت أن تتأمل فى آلام الرب وصليبه فستجد مز 22 ، 69 . والمزموران 3 ، 109 فيتحدثان عن مكر اليهود ومكائد الأسخريوطى . أما مز 21 ، 50 ، 72 فتتحدث عن مجىء الرب الثانى بالجسد وعن دعوة الأمم ، والمزمور 16 يتحدث عن القيامة ، 24 ، 47 عن الصعود للسماء . ] .
هذا هو ملخص مختصر لما كتبه القديس أثناسيوس الرسولى الذى يكمل قائلا : تلك هى إذن طبيعة سفر المزامير وأوجه استعماله فبعضها يستخدم لتقويم النفوس البشرية وكثير منها يتنبأ عن مجىء مخلصنا يسوع المسيح بصورة بشرية .
+ وكنيستنا المقدسة – عبر عشرين قرنا – ترتل المزامير وتصليها فى سبع صلوات يومية – وهذه الصلوات هى التى ترعرع عليها الآباء القديسون والنساك والشهداء ...
+ وإذا كنا فى عصرنا الحاضر نجد بعض الملل فى الصلاة بالمزامير فهذا يكشف لنا عن حقيقة حياتنا التى انغمست فى العالم وبعدت عن روح الصلاة بل أنها تسير فى اتجاه مضاد .
فمثلا نقف لنصلى مزمورا عن حياة الشكر ونحن فى غاية التذمر أو نردد مزمورا عن الفرح بالتوبة والرجوع لله ونحن فى ذات الوقت منغمسين بالخطية نتلذذ بها ....الخ .
+ + +
كلمة " مزمور " هى ببساطة ترجمة للكلمة اليونانية " psalmoi " ، وهى بدورها ترجمة للكلمة العبرية " mizmor " . والكلمة فى صيغة المفرد كانت تعنى أساسا صوت الأصابع وهى تضرب على آلة موسيقية وترية ، صارت فيما بعد تعنى صوت القيثارة ، وأخيرا استخدمت لتعنى غناء نشيد على القيثارة
الأسم العبرى لهذا الكتاب هو " سفر تهليم " أى " كتاب التهليلات أو التسابيح " .
مفتاح السفر :
الكلمات التى تعتبر مفتاحا للسفر هى : " ثقة ، تسبيح ، فرح ، رحمة " ، لأنها تتكرر مئات المرات فى هذا السفر .
فى سفر المزامير نتعرف على الله ، ونكون فى التصاق به .
فى العهد القديم رفع الشعب صوته بالهتاف والتسبيح ، ودخلوا فى حوار مع الله .
أما بالنسبة للكنيسة المسيحية فهى فى حقيقتها جماعة تسبيح وترتيل ، ولدت كما فى أنشودة مفرحة . فكلمة إنجيل تعنى " بشارة مفرحة "
فى السيد المسيح نكتشف الكنيسة بكونها أيقونة السماء وملكوت الله المملوء فرحا . يريد الله لشعبه أن يمارس حياة الفرح فيه ، كعلامة التمتع بالحياة الداخلية المقامة فى المسيح وكعربون الشركة فى السمويات عينها .
وجد المسيحيون واليهود على السواء – عبر القرون – فى كلمات المزامير القوة الروحية ولغة التسبيح فى آلامهم كما فى انتصاراتهم .
فى الكنيسة الأولى كانت مزامير العهد القديم تتلى بنظرة مسيحية بكونها تصويرا مسبقا ونبوات عن السيد المسيح ، كما قامت الصلوات الأولى التى رفعتها الكنيسة الأولى فى سفر الأعمال على المزامير ( أع 4 : 24 – 30 ) .
يسجل الكتاب المقدس الكثير من التسابيح والأناشيد أو المزامير التى تغنى بها شعب الله أو ترنم بها أشخاص ، من أمثلة ذلك :
تسبحة لامك ( تك 4 : 23 – 24 ) ، تسبحة مريم أو موسى النبى ( خر 15 ) ، تسبحة البئر ( عد 21 : 17 – 18 ) ، تسبحة دبورة ( قض 5 ) ، تسبحة حنة ( 1 صم 2 ) تسبحة يونان ( يونان 2 ) ، تسبحة حزقيال ( إش 38 : 10 – 20 ) ، تسابيح إشعياء ( 25 : 1 – 12 ، 26 : 1 – 20 ) ، تسبحة الثلاثة فتية ( دا ) ، مزمور زكريا ( لو 1 : 68 – 79 ) .
المجدلة للقديسة مريم العذراء ( لو 1 : 55 ) ، البركة لزكريا ( لو 2 : 67 – 79 ) ، المجدلة العلوية للملائكة ( لو 2 : 13 ، 14 ) ، تسبحة الإنطلاق لسمعان الشيخ ( لو 3 : 28 – 32 ) ، تسابيح القديس بولس ( أف 5 : 14 ؛ 1 تى 3 : 16 ؛ فى 2 : 6 – 11 ؛ كو 1 : 15 – 20 ، عب 1 : 3 ) ، تسابيح القديس بطرس ( 1 بط 1 : 18 – 21 ، 2 : 21 – 25 ، 3 : 18 – 21 ) ، تسبحة الأربعة مخلوقات الحية ( رؤ 4 : 8 ) ، تسبحة الأربعة وعشرين قسيسا ( رؤ 4 : 11 ) ، الترنيمة الجديدة ( رؤ 5 : 9 ، 10 ) الخ ..... بجانب هذه التسابيح وغيرها الواردة فى الكتاب المقدس يوجد سفران مخصصان للتسابيح ، هما المزامير ونشيد الأناشيد .
من أقوال القديسين :
+ التسبيح بالمزامير دواء لشفاء النفس .
+ أى كائن له القوى الخمس يلحق به الخزى إن لم يبدأ نهاره بمزمور ، فإنه حتى أصغر الطيور تبدأ يومها وتنهيه بتراتيل عذبة فى عبارة مقدسة !
+ معظم الناس لا يعرفون شيئا عن الأسفار الأخرى ، أما المزامير فيكررون تلاوتها فى المنازل والشوارع والأسواق ، هؤلاء الذين يحفظونها عن ظهر قلب ، ويشعرون بالقوة المريحة التى تكمن فى تسابيحها المقدسة .
+ المزامير هى قصائد شعرنا ، أغانى حبنا ، هى مرعانا وتدبيرنا .
+ ليكن تسبيح المزامير مستمرا ، فإننا إذ نذكر اسم الله تهرب الشياطين .
واضعو السفر :
معظم المزامير أوحى بها إلى داود النبى : الراعى والجندى ، والملك ، فقد كان يلعب بالقيثارة .. دعى " مرنم إسرائيل الحلو " 2 صم 23 : 1 ، كانت له موهبة فائقة فى وضع الشعر ، وكان عاشقا للصلوات الجماعية ، نظم داود خدمة التسبيح فى المقدس ( الخيمة المقدسة ) [ 1 أى 6 : 31 ، 16 : 7 ، 25 : 1 .. ] .
نسب 24 مزمورا إلى آساف ربما كان " آساف " لقبا لقادة الموسيقيين أو لمنظمى الخورس فى أيام داود وسليمان ( 1 أى 16 : 4 ) ، وإلى أبناء قورح ( وهى عائلة من حارسى الأبواب الرسميين ومن الموسيقيين ، ربما كانوا تلاميذ قورح وليس بالضرورة من عائلته ) ، وإلى هيمان وإيثان .
هذه المزامير الأربعة وعشرون تصنف معا كمجموعة واحدة بطريقة لائقة لأن واضعيها قد ارتبطوا معا فى خدمة التسبيح التى أسسها داود .
ربما كتب موسى المزمورين 90 ، 100 ، وربما كتب سليمان أيضا مزمورا أو إثنين .
أما بقية المزامير فهى مجهولة المؤلف ، وتسمى بالمزامير " اليتيمة " . يعتقد أن داود النبى كتب بعضها .
بالرغم من أن 73 مزمورا فقط من 150 مزمورا ( + المزمور 151 فى الترجمة السبعينية ) هى التى تنس صراحة إلى داود ، لكن اتجهت النظرة العامة إلى اعتبار داود هو واضع كل المزامير ، لماذا ؟
1 – اقتناع الجماعة بأن داود هو المسيح الممسوح ، والملك المثالى الذى به يعرف الشعر عندما يتقدمون للعبادة أمام الله ، ونموذج للملك الآتى الذى يحقق رجاء إسرائيل ، وذلك كما ورد فى أخبار الأيام الأول والثانى .
2 – فى أثناء حكم داود أصبحت أورشليم مركزا لعبادة الأمة الجديدة ، وبجانب الذبائح الدموية قدموا التسبيح بالمزامير كتقدمة محرقات روحية .
1 – هذا السفر هو سفر التسبيح لشعب الله ، وضعت بعض المزامير لأستخدامها الليتورجى فى الهيكل ، وبعضها من أجل الحياة الخاصة الشخصية وإن كانت الأخيرة تستخدم أيضا فى العبادة الجماعية .
2 – سفر المزامير هو كتاب لكل من هم فى عوز : للمريض والمتألم ، للفقير والمحتاج ، للسجين والمسبى ، لمن هو فى شدة أو تحت اضطهاد .
3 – تحوى موضوعات نبوية عظيمة ، اقتبس منها العهد الجديد ، بل وربنا نفسه يقول : " لكى يتم ما هو مكتوب عنى فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير " لو 24 : 44 .
تجد معظم المزامير كمال تعبيرها ومعناها فى حياة السيد المسيح وعلى شفتيه .
4 – يبدو أن الآلات الموسيقية كانت تستخدم فى العهد القديم ، لكن كنيسة الإسكندرية تعتبر حنجرة الإنسان أجمل الآلات الموسيقية ، لذلك تستخدم أحيانا الدفوف مع أصوات خورس الشمامسة والشعب .
يطلب الله الآلات الموسيقية التى للقلب والعقل ، التى يعزف عليها بروحه القدوس .
يضع الدارسون تصنيفات أخرى متنوعة فهى :
1 – مزامير تعليمية أى تهذيبية .. بناءة ولاهوتية .
2 – مزامير التكريس ( التقوى ) :
أ – الندامة على خطايا ارتكبت ..
ب – الضيق الشديد ..
جـ - الرغبة فى العون ..
3 – مزامير التسبيح والشكر ..
4 – المزامير المسيانية :
بالنسبة للمسيحيين الأوائل ، كان السيد المسيح هو موضوع تمجيد كل مزمور . فقد صورت المزامير المسيانية السيد المسيح أو تنبأت عنه .
ويعتبر سفر المزامير هو أكثر الأسفار وضوحا بعد إشعياء فى التعبير عن النبوات الخاصة بالسيد المسيح ورسالته فى كل العهد القديم .
تصور المزامير المسيانية ربنا من زوايا أربع :
أ – المسيح المتألم ،
ب – المسيح الملك ،
جـ - ابن الإنسان ، أى ابن داود ،
د – وإبن الله ، الله نفسه .
نقدم هنا المزامير المسيانية الهامة ، وهى :
مز 2 : الملك المرفوض يقيم مملكته ويملك .
مز 8 : الإنسان سيد الخليقة بالمسيح إبن الإنسان .
مز 16 : قيامة السيد المسيح من الأموات .
مز 22 ، 69 : الآم السيد المسيح وصلبه .
مز 23 : عناية الراعى الصالح بخرافه الناطقة .
مز 24 : رئيس الرعاة ملك المجد .
مز 40 : المسيح المطيع .
مز 45 : عروس المسيح الملكة ، وعرشه الأبدى .
مز 68 : 18 صعود السيد المسيح .
مز 72 : ملك المسيح المجيد والأبدى .
مز 80 : الرجاء العظيم واشتهاء مجىء المسيا ( 80 : 1 – 3 ، 89 : 46 ، 49 ) .
مز 89 : تأكيد لا نهائية أسرة داود الملكية .
مز 97 : الملك يملك !
مز 101 : المسيح يحكم بالبر .
مز 110 : لقبا المسيح الوظيفيين : الملك الأبدى والكاهن .
مز 118 : تمجيد الحجر المرذول .
مز 132 : الوارث الأبدى لعرش داود .
5 – المزامير التاريخية
6 – المزامير الليتورجية [ 15 ، 24 ، 50 ، 75 ، 118 ، 20 ، 21 ، 135 ] .
7 – مزامير التجليس [ 29 ، 47 ، 93 ، 95 ، 99 ] .
ترتبط هذه المزامير بتلك المدعوة " مزامير صهيون " والقائمة على الأعتقاد بأن صهيون هذه المدينة التى تذخر بالهيكل ، موضع حضور يهوه وسط الشعب .
8 – المزامير الملوكية
هذه المزامير تتنبأ عن السيد المسيح كملك يملك على قلوب مؤمنيه ويقبلهم كعروس سماوية تشاركه أمجاده ، ويمنحهم النصرة على الشر [ مثل مز 2 ، 18 ، 20 ، 21 ، 45 ، 72 ، 89 ، 101 ، 110 ، 132 ، 144 ] .
وعد الله عائلة داود بملك أبدى ، حيث يظهر الملك فى هذه المزامير أبديا ، ويتسع نطاق ملكه إلى العالم كله ، وأما علامة ملكه فهو السلام مع العدل الخ...... .
وهناك مزامير المصاعد ، ومزامير هاليل ( ترتل أثناء الأحتفالات بأعياد الفصح والمظال والخمسين ... ) . ومزامير المناسبات ومزامير التضرعات أو المراثى....الخ .
ملاحظات :
1 – إن أردنا أن نتفهم مزمورا ما يلزمنا أن نحاول اكتشاف الظروف الخلفية أو الأحداث التى وراء المزمور .
2- يليق بنا أن ندرك أن المزامير هى تعبيرات عن مشاعر مقدسة ، لا يفهمها إلا الذين يمارسون الحياة المقدسة .
أفضل مؤهل لدراسة أى جزء من كلمة الله هو قبول عمل الروح القدس الساكن فينا ، هذا الذى يلهب قلوبنا الباردة ، واهبا إيانا اتضاع الفكر ومشاعر صادقة .
+ شكل روحك بمشاعر المزمور ..
إن كان المزمور ينفث روح صلاة صل !
إن كان مملوء تنهدا تنهد أنت أيضا ،
إن كان مفرحا فأفرح أنت أيضا ،
إن كان يشجع واهبا رجاء ، ترجى الله ،
إن كان يدعو إلى الخوف التقوى ، ارتعب أمام العظمة الإلهية ، فإن كل الأشياء هنا تحمل مرآة تعكس سماتنا الحقيقية .... دع قلبك يعمل ما تعنيه كلمات المزامير .
+ + +
الإنسان المطوب
يبدأ معلمنا داود النبى مزاميره
1 – بكلمة طوبى ... وهى نفس الكلمة التى بدأ بها السيد المسيح رسالته على الأرض :
" طوبى للمساكين بالروح ...الخ " مت 5 : 3 .
وهنا ينكشف لنا تشجيع الله ، فهو يطوبنا عندما نبتعد عن الشر – كما طوب السيد المسيح بطرس الرسول عند اعترافه بألوهيته " طوباك يا سمعان بن يونا ... " مع أن اعتراف بطرس لم يكن من ذاته لكن من الله الآب الذى فى السماء .
قداسة البابا شنودة الثالث يعرف كلمة " طوبى " بأنها تعنى أمرين هما : " السعادة والبركة " .
2 – ويكمل " طوبى للرجل .... " فهو يتحدث بلغة المفرد " لأنه ليس بار ولا واحد .... الجميع زاغوا وفسدوا معا ... " رو 3 : 12 ، ولكن يوجد رجل واحد – ابن الإنسان الذى قال " من منكم يبكتنى على خطية " . فكأن النبى يرى الكمال فى المسيح وحده الذى هو جسد الكنيسة ، ونحن فى عهد النعمة نأخذ منه لأننا أعضاء فى جسمه ، لذلك فى العهد الجديد قال كلمة " طوبى " بأسلوب الجمع " طوبى للمساكين بالروح ... " فكأن داود النبى قد افتتح مزاميره بالحديث عن الرب يسوع رجاء العالم كله وكمال الأنبياء والرسل والشهداء ... رئيس الإيمان ومكمله " عب 12 : 2
" طوبى للرجل الذى لم يسلك فى مشورة المنافقين ،
وفى طريق الخطاة لم يقف ،
وفى مجلس المستهزئين لم يجلس " [ 1 ]
يرى بعض المفسرين أن المشى فى مشورة المنافقين يشير إلى التفكير فى الشر ، أما الوقوف فى الطريق فمعناه الدخول إلى العمل ، وأخيرا الجلوس فى مجلس المستهزئين فيشير إلى الأندفاع نحو إغراء الآخرين وتعليمهم الشر ، وكأن مراحل الشر الثلاث هى : التفكير ثم العمل وأخيرا التعليم .
" وفى ناموس الرب يلهج نهارا وليلا "
تفهم ( هذه العبارة ) أى بلا انقطاع .. ربما يقصد بالنهار : " فى الفرح " وبالليل : " فى الضيقات " ... فقد قيل : " أبوكم إبراهيم تهلل بأن رأى يومى فرأى وفرح " يو 8 : 56....
" وكل ما يصنعه ينجح فيه "
بمعنى أنه لا ينجح فقط فى حياته الروحية بل وفى كل جوانب الحياة ، لأن النجاح هو سمة الحياة المطوبة .
" لا يقوم المنافقون فى الدينونة ، ولا الخطاة فى مجلس الأبرار " [ 5 ]
لا يقدر الأشرار أن يقوموا للدفاع عن أنفسهم فى دار الشريعة ، عندما يحل وقت القضاء ، فى الدينونة يرون الرب مهوبا ، عينيه كلهيب نار ، أما أولاد الله فيرونه عريسا سماويا يضمهم إلى مجده !
" يعرف الرب طريق الأبرار ، أما طريق المنافقين فتباد " [ 6 ]
معرفة الرب ليست إدراكا ذهنيا مجردا بل شركة فعالة ( عاموس 3 : 2 ) .
بطريقة أخرى : المسيح هو الطريق والحياة والحق ( يو 14 : 6 ) ، لنسير فى المسيح فيعرف الله الآب طريقنا .
من تأملات قداسة البابا شنودة الثالث :
هذا المزمور له طابع وعظى أو إرشادى .
هناك مزامير او صلوات يغلب عليها طابع الطلب ، وأخرى لها طابع الشكر ، وثالثة يغلب عليها افنسحاق والأعتراف بالخطية ، ورابعة عبارة عن كلام تسبيح وتمجيد ؛ أما هذا المزمور فهو عظة ، أو إرشاد تقدمه الكنيسة لك ، تتلوه فى باكر كل يوم لكى تتذكر كيف تسلك فى هذا اليوم بغير عثرة ، واضعا وصايا الله أمام عينيك .
والكنيسة تقدم لك أيضا فى بدء صلاة باكر قطعة وعظية أخرى ، عبارة عن فصل من الرسالة إلى أفسس " الإصحاح الرابع " يقول فيها القديس بولس الرسول : " أسألكم أنا الأسير فى الرب أن تسلكوا كما يليق بالدعوة التى دعيتم إليها ، بكل تواضع القلب والوداعة وطول الأناة ، محتملين بعضكم بعضا بالمحبة ، .. الخ "
هذا الفصل من أفسس ، وهذا المزمور ، إرشاد لازم فى بدء اليوم .
المسألة إذن ليست مجرد صلاة ، إنما هى أيضا سلوك .
+ + +
المزمور الثانى
عش ملكــــا
يقدم لنا المزمور الأول طريق الأبرار الملوكى ، طريق الأتحاد مع كلمة الله نهارا وليلا ، للتمتع بالحياة المطوبة الداخلية ، وتحاشى طريق الأشرار المهلك .
الآن فى هذا المزمور الملوكى يقدم لنا المرتل المسيا " الملك العام " بكونه الطريق الضيق المجيد ، فيه ندخل إلى معركة الصليب الروحية فنصير ملوكا ، إذ قيل : " جعلنا ملوكا وكهنة " رؤ 1 : 6 .
1 – مسيح الرب :
" قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معا ،
على الرب وعلى مسيحه " [ 2 ]
اهتمت كثير من المزامير الملوكية بالكشف عن قدسية عمل الملك ، خاصة فى هذا المزمور ، حيث ذكر أنه مختار من الله .
لقد مسح ( الإبن المتجسد ) لينوب عنى فى المعركة الروحية ، واهبا إياى نصرته ( 1 يو 2 : 13 ) . فيه نصير نحن أيضا مسحاء الرب خلال مسحة الميرون ، أعضاء جسده المقدس ، أبناء الله ، وذبائح حب من أجل الآخرين .
يقصد المرتل بالملوك والرؤساء القادة الأشرار الذين مع تباين مصالحهم اتحدوا معا عند لحظات الصليب ضد السيد المسيح . اتحد ليس فقط الأقوياء بل وأيضا الرعاع ، إذ صرخ الشعب : " اصلبه ! أصلبه ! " وكما يقول ربنا : " ابغضونى أنا وأبى " يو 15 : 24 . ابغضوه هو وأباه ، قائلين : " لنقطع أغلالهما ولنطرح عنا نيرهما " [ 3 ] .
2 – السماوى المتوج [ 2 ، 4 ]
" الساكن فى السموات يضحك بهم " [ 4 ]
إنه فى السماء بعيدا عن متناول تهديداتهم ومحاولاتهم العاجزة . هناك يعد عرشه للدينونة ، لذا يسهل جدا الأستهزاء بمحاولات الأعداء .
3 – الإبن الوحيد الجنس [ 7 ]
" أنت ابنى وأنا اليوم ولدتك " ، ولم يقل : " أنا خلقتك " .
لا يدعو الإبن الله خالقه فى ولادته الأزلية الإلهية ، بل أباه .
" هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت " مت 3 : 17 . لهذا يخدمه الملائكة بكونه فوقهم ، يسجدون له بكونه أعظم منهم فى المجد ، وفوق كل المخلوقات .. وهو وحده ابنه الحقيقى جوهريا .
المسيح القائم من الأموات :
يسبح بهذ